المقالات

الدبلوماسية المنتجة: العراق حين يستثمر موقعه

محمد شياع السوداني

محمد شياع السوداني

رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق

عندما تشكلت حكومتنا، كنا ندرك أن العراق يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعه في محيطه الإقليمي والدولي، ولم يكن التحدي أمامنا مقتصراً على معالجة الملفات الاقتصادية والخدمية والتنموية، بل كان يتصل أيضاً بكيفية بناء علاقات خارجية تساند مشروع الدولة، وتحمي مصالحها، وتفتح أمام اقتصادها آفاقاً جديدة.

ومن هنا انطلقنا من قناعة أساسية مفادها أن السياسة الخارجية لا ينبغي أن تكون منفصلة عن حاجات الاقتصاد والتنمية، وأن العلاقات الدبلوماسية لا تكتمل قيمتها باللقاءات والبيانات والمواقف، وإنما بما تنتجه من مصالح مشتركة، وفرص استثمار، وشراكات، ومسارات تجارية، وتفاهمات تعزز استقرار العراق ومكانته.

لقد اعتمدنا في سياستنا الخارجية مبدأ التوازن، والابتعاد عن سياسة المحاور، والانفتاح على الجميع وفق قاعدة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وكان هدفنا أن يكون العراق شريكاً فاعلاً، لا ساحة لتصفية الصراعات، وأن يتحول موقعه الجغرافي من عاملٍ فرض عليه أعباءً تاريخية إلى مصدرٍ للقوة وفرصةٍ اقتصادية.

ومن هذه الرؤية جاءت فكرة الدبلوماسية المنتجة، إذ لم نرد للدبلوماسية أن تبقى في إطارها التقليدي، بل سعينا إلى ربطها بمصالح العراقيين ومستقبل اقتصادهم؛ فالعلاقة مع دولة ما يمكن أن تفتح باباً للاستثمار، والعلاقة مع دولة أخرى يمكن أن تؤسس لممر تجاري، وشراكة ثالثة يمكن أن تسهم في تطوير الطاقة أو الصناعة أو الزراعة أو النقل. وهكذا تصبح الدبلوماسية أداة من أدوات التنمية، ويصبح الاقتصاد أحد محركات العلاقات الخارجية.

ولعل مشروع طريق التنمية هو النموذج الأوضح لهذه الفلسفة. فالمشروع، كما نظرنا إليه منذ إطلاقه، لم يكن مجرد خط للسكك الحديدية أو شبكة للنقل بين نقطة وأخرى، بل كان مشروعاً لإعادة تعريف العراق بوصفه حلقة وصل بين الشرق والغرب، وبين اقتصادات المنطقة والأسواق العالمية، ومشروعاً يفتح الباب أمام صناعات وخدمات ومناطق اقتصادية وفرص استثمارية جديدة.

ولهذا حرصنا على أن تكون الدبلوماسية حاضرة في جميع مراحل بناء هذا المشروع، فقد احتاج طريق التنمية إلى تفاهمات إقليمية، وشراكات اقتصادية، وحوار سياسي مع دول الجوار والدول المعنية بحركة التجارة العالمية. وكان الاتفاق الرباعي بين العراق وتركيا وقطر والإمارات أحد الأطر المهمة التي أسهمت في تأسيس التعاون حول المشروع، مع تأكيدنا الدائم أن طريق التنمية ليس مشروعاً مغلقاً، بل مساحة مفتوحة أمام كل شريك يرغب في الإسهام فيه على أساس المصالح المتبادلة.

وفي المقابل، منح طريق التنمية الدبلوماسية العراقية ورقة جديدة، إذ لم يعد العراق يتحدث مع محيطه من موقع الحاجة إلى الشراكة مع الآخرين فحسب، وإنما من موقع امتلاكه مشروعاً يمكن أن تتقاطع فيه مصالح دول متعددة. وهذه هي المعادلة التي سعينا إلى ترسيخها: أن يكون للعراق ما يقدمه لشركائه، وأن تتحول جغرافيته إلى قيمة اقتصادية، واقتصاده إلى أداة لتعزيز موقعه السياسي.

ومن هنا أيضاً جاء اهتمامنا بميناء الفاو الكبير وربطه بطريق التنمية، فالميناء والطريق يمثلان منظومة متكاملة يمكن أن تمنح العراق فرصةً لتحويل اقتصاده من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط إلى اقتصاد يستفيد من النقل العابر «الترانزيت»، والخدمات اللوجستية، والصناعة، والاستثمار.

وقد أثبتت التجربة أن المصالح الاقتصادية المشتركة قادرة على بناء علاقات أكثر استدامة، فعندما تكون للدول مصالح متبادلة في مشروع استراتيجي، فإن الحوار بينها لا يعود مرتبطاً بظرف سياسي عابر، بل يصبح جزءاً من رؤية طويلة الأمد.

وهنا تتجاوز أهمية الاستثمار الجانب الاقتصادي المباشر؛ فاتساع المصالح الاقتصادية ووجود المشروعات الكبرى في العراق يخلقان شبكةً من المصالح الدولية والإقليمية المرتبطة باستقراره، ويجعلان من أمنه واستقراره مصلحة مشتركة لشركائه. وكلما اتسعت هذه المصالح، أصبح العراق أكثر قدرة على حماية مكتسباته الأمنية، وأكثر قدرة على التحرك بثقة في محيطه.

إن الأمن الذي لا يسنده اقتصاد قوي يبقى عرضة للاهتزاز، والاستقرار الذي لا تنتج عنه فرص وتنمية يظل ناقصاً. ولذلك، فإن حماية ما تحقق من استقرار لا تكون أمنية فقط، وإنما اقتصادية أيضاً؛ فبناء اقتصاد منتج، واستقطاب رؤوس الأموال، وتطوير الصناعة، وتوسيع التجارة، كلها عناصر في منظومة الأمن الوطني بمفهومه الأوسع.

والعراق اليوم أمام فرصة لأن يتحول إلى مركز صناعي واستثماري رئيس لدول المنطقة والعالم، وما نحتاجه هو أن نستثمر هذه الفرصة بعقل الدولة التي تريد أن تجعل من اقتصادها ركيزة لاستقرارها ونفوذها.

إن ما تأسس خلال المرحلة الماضية ينبغي ألا يتوقف بتغير الحكومات، بل يجب أن يتحول إلى نهج ثابت في الدولة العراقية. فاستمرار العمل على جذب الاستثمارات، وتوسيع الشراكات، واستكمال المشاريع الاستراتيجية، يمثل مساراً لا ينبغي أن يرتبط بحكومة أو مرحلة سياسية، وإنما يجب أن يكون جزءاً من بناء قوة العراق الاقتصادية والسياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى