المقالات

الممكن قبل فوات الأوان

مصطفى الكاظمي

“الأشياء جميعاً هي ما هي منذ الأزل؛ تبدأ وتعود دواليك، وسيّان أن يرى المرء نفس المشهد لمائة عام أو مائتين أو ما لا نهاية من الأعوام”
ماركوس أوريليوس

في الذكرى الثالثة والعشرين لسقوط نظام البعث السابق، ونهوض العراق الديمقراطي، أكتب هذه الكلمات، وهي استجابةٌ واجبة للإخوة الأعزاء في “المجموعة العراقية للشؤون الخارجية”. ما نحتاج إليه في عراقنا الديمقراطي هو الشجاعة في طرح قناعاتنا أمام بعضنا البعض، وأن نصغي إلى بعضنا بعضاً لا أن نسمع فحسب، وأن نراجع ونتعلّم حتى لا نعيد إنتاج الأخطاء نفسها. والأهم، أن نحترم الآخر ونتقبّله حتى وإن اختلفنا معه حدّ الخصام.

ما تشهده منطقة الشرق الأوسط اليوم من صراعٍ مجنونٍ هو نتيجة طبيعية لسلسلةٍ طويلة من أحداثٍ متشابكة وقعت قبل خمسةٍ وعشرين عاماً تقريباً؛ 11 أيلول/سبتمبر 2001، وغزو أفغانستان (7 تشرين الأول/أكتوبر 2001)، ثم العراق (9 نيسان/أبريل 2003). كرّت السبحة، واتّسع مسرح الأحداث في منطقة شكّلت تاريخياً “قلب العالم”، ولكن – وللأسف – كان العراق الميدان الأبرز، بوصفه ساحةً أو مسرحاً للاشتباك وتصفية الحسابات وتمرير الرسائل، من دون أن ينجح في الانتقال من كونه متأثراً إلى مؤثّر، أو أن يدفع باتجاه المبادرة، ملتزماً بحدود دورٍ رُسم بعناية من قِبل قوى أجادت الاستثمار في مساحة التنوع والتناقضات.

بعد هذه المدة كلّها، وفي خضم هذه الحرب المستعرة، وما يشهده العراق على وجه الخصوص، ورغم الدعوات المتكرّرة والنداءات السابقة، التي بدأت بأسئلةٍ توجب المراجعة، ثم المصارحة، ومن ثم المصالحة، بما من شأنه أن يجنّب الوطن والمواطن والدولة ومؤسساتها تداعيات لحظةٍ مماثلة، نجد أنفسنا – جميعاً كعراقيين، على اختلاف توجهاتنا – أمام لحظةٍ وطنيةٍ تاريخية تفرض وقفةً صادقةً مع ذواتنا، نُقدم فيها على مراجعةٍ مسؤولةٍ لتجربتنا السياسية بكل ما حملته من إنجازاتٍ ومكتسباتٍ وإخفاقاتٍ وتحديات.

لقد قطعنا شوطاً في مسار بناء مؤسسات الدولة التي حلمنا بها إبّان معارضتنا للديكتاتورية، وشهدنا أيضاً تحولات إيجابية، كاتساع هامش الحريات وظهور حراكٍ شعبي يطالب بالإصلاح، لا سيما في السنوات الأخيرة، وهذا يعكس تنامي الوعي المجتمعي المؤمن بضرورة التغيير، والضغط باتجاه تصحيح المسار. لكننا – في الوقت نفسه – لا نستطيع تجاهل غياب الأمن والاستقرار، بما خيّب تطلعات شعبنا وطموحاته. وللأسف، ما تزال هناك تباينات واختلالات حقيقية في بنية الدولة وعلاقاتها داخلياً وخارجياً، إلى جانب الاضطرابات السياسية المستمرة، وهو ما انعكس سلباً على علاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة المجتمع بها، الأمر الذي يستدعي معالجة جذرية، جادّة، وشجاعة.

كان من المفترض أن تشكّل مرحلة ما بعد 2003 فرصةً لبناء عقدٍ اجتماعيٍّ جديد، يقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون. غير أن النخب السياسية، في كثيرٍ من الأحيان، قدّمت مصالحها الحزبية والشخصية على حساب المصلحة الوطنية، وترجمَت ذلك بتسييس المؤسسات، وإضعاف الشفافية، واستشراء الفساد، واستغلال النفوذ، ومحاصرة الكفاءات، مما أعاق بناء دولة مؤسسات حقيقية، نريدها جميعاً وفاءً للتضحيات المبذولة لأجل العراق وأهله.

لم يتمكّن “آباء العملية السياسية” من استخلاص دروس وعبر التجارب التأسيسية السابقة. إذ ورثوا دولةً مثقلةً بالإرث السلطوي، لكنهم، بدلاً من أن يعيدوا بناء مؤسساتها على أسسٍ وطنيةٍ جامعة، أعادوا إنتاج بعض الأخطاء القديمة بصيغٍ جديدة؛ فكُرّست المحاصصة الطائفية والإثنية كآليةٍ للحكم، وأُضعِف مفهوم الدولة المدنية، وترسّخ الانقسام بدل الوحدة.

وفي هذا السياق يأتي تحدّي ازدواجية القرار الوطني، ويتمظهر في السلاح خارج إطار الدولة وسلطتها. ففي جوهرها، تقوم الدولة على مبدأٍ واضح لا يقبل الالتباس: أنها الجهة الوحيدة المخوّلة باحتكار قرار الحرب والسلم، ووحدة السلاح، وتنظيم استخدامه وفق القانون. وأي خروج على هذا المبدأ، مهما كانت مبرراته، يضعف هيبة الدولة، ويُربك القرار الوطني، ويؤثر في ثقة المواطن بمؤسساتها. ومن حق العراقيين، بل من واجبهم، أن يطرحوا هواجسهم عالياً، وبمفعولٍ رجعي: لماذا جاء هذا السلاح؟ من أين، وكيف، ومن سمح بتمدده وتمكينه؟ ما تداعيات وجوده على سيادة الوطن ووحدة قرار الدولة؟ وكيف نبني دولةً قويةً في ظل تعدد مصادر القوة، إن لم تكن كل أدوات القوة تحت سلطتها؟ هذه ليست أسئلةً خلافية، بل أسئلة تأسيسية، ومن خلال الإجابة عنها نستطيع أن نصون عراقنا وموقعه، ونبني مستقبلاً على قدر الآمال والطموحات والتضحيات.

صحيحٌ أن الحرب القائمة كشفت ما كنا نحذّر منه سابقاً، لكن حتى لو لم تقع، لكنا سنصل إلى أزمةٍ متشابكة؛ فقضية السلاح لا يمكن التعامل معها بوصفها قضيةً جزئيةً أو ملفاً أمنياً منفصلاً، بل هي مسألة مركّبة تتداخل فيها أبعاد متعددة: سياسية، واقتصادية، وأمنية، ولها انعكاساتها المباشرة على الدولة، وصورة أمنها القومي والاقتصادي والاجتماعي.

إن مقاربة هذا الملف تتطلب فهماً عميقاً لجذوره، التي لا تبدأ من الواقع الأمني والسياسي فقط، بل تمتد إلى بنية المجتمع نفسه، وإلى الظروف التي مرّ بها العراق خلال العقود الماضية، والتي أسهمت في تشكيل قناعاتٍ مختلفةٍ حول دور السلاح ووظيفته. ولهذا، فإن اختزال هذه المسألة في جهةٍ دون أخرى، أو التعامل معها بسطحية، لن يؤدي إلا إلى مزيدٍ من التعقيد.

بعض من التجربة

بين عامي 2020 و2022، تولّيت رئاسة مجلس الوزراء، في أشهرٍ صعبةٍ جداً من عمر ديمقراطيتنا الحديثة. وقد شكّل موضوع السلاح – بالنسبة إليّ – أولويةً قصوى، ليس من باب المواجهة مع الفصائل المسلحة والمليشيات المنتشرة على امتداد الجغرافيا العراقية، بل انطلاقاً من قناعةٍ راسخةٍ بأن لحظة الحقيقة، أو المواجهة، قادمةٌ لا محالة بين معسكر الولايات المتحدة الأمريكية ومعسكر الجمهورية الإسلامية في إيران. وكانت حرمة الدم العراقي – بالنسبة إليّ شخصياً – فوق كل اعتبار، فالأوطان تُبنى حين يُصان الإنسان. لم أميّز بين شهيدٍ وآخر؛ فكلُّ من ارتقى لأجل العراق هو محلّ تقديرٍ واحترام. وكل مرحلةٍ ومحطةٍ ومفصلٍ من تاريخنا، ولا سيما بعد عام 2003، توجب قراءةً هادئة، ومعرفةً بالظروف والحيثيات، وتفهّماً للنوايا، وإحاطةً بالمقاربات المطروحة آنذاك، والانطلاق في التحليل وصولاً إلى خلاصاتٍ محكومةٍ بحسن ظنّنا بالشركاء في الوطن. وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك التنازل عن قضيةٍ أساسية، هي بناء الدولة ومؤسساتها، وفرض هيبتها وحضورها، وإنفاذ عدالة القانون، لصالح مصلحةٍ سياسيةٍ هنا أو مكسبٍ ضيّقٍ هناك.

لقد كان السلاح الموازي لسلاح الدولة تهديداً وجودياً لفكرة الدولة ومفهومها، ما فرض عليّ شخصياً، بحكم المسؤولية الوطنية واللحظة التاريخية، اجتراح حلٍّ يحفظ السلم الأهلي من أي اقتتالٍ أولاً، ويصون الدم العراقي، شباباً وقيادات، ثانياً، ويجنّب البلاد والعباد تداعيات أي مواجهةٍ محتملةٍ قد تقع آنذاك ثالثاً. وهذه المحددات فرضت المضيّ في مسارين متوازيين: الاستيعاب والمواجهة، مع الحفاظ – في كلتا الحالتين – على خطاب الدولة، من دون الدخول في مهاتراتٍ وسجالاتٍ فارغة، والابتعاد، قدر الإمكان، عن العمل بالشعارات والشعبويات، والاكتفاء بعملٍ صامتٍ لأجل العراق وأهله، وكانت له آثاره، بشهادة الجميع، رغم كل حملات الشيطنة والتسقيط الممنهج.

وتقوم المقاربة في هذين المسارين على ضرورة الفصل بين قادة الفصائل المسلحة والمليشيات الناشطة، وبين الشباب المنتمين إليها. وكان السبب الرئيس في صياغة هذه المقاربة هو تأكيد الانتماء إلى الدولة ومؤسساتها، وأن الأخيرة هي الراعية والمسؤولة عنا جميعاً. لقد عملنا على ضرورة المزج – وفق الحالة والظرف – بين مساري الاستيعاب والمواجهة. وقد جرت أحداثٌ ووقعت أخرى، منها ما أُعلن عنه، ومنها ما بقي طيّ الكتمان لأسبابٍ يأتي يومٌ نكشفها فيه؛ وكان الهمّ الأبرز ألا نجرّ البلاد إلى حمام دم، في وقتٍ بدا فيه واضحاً أن هناك من يدفع بقوة في هذا الاتجاه، محمّلاً إيّاي – وحكومتي – مسؤولية ذلك.

في كتابه “فن الحرب”، يقول القائد الصيني العظيم: إذا كانت الأوامر واضحة وكان الفشل في التنفيذ، فالخطأ يقع على عاتق الجنود؛ أما إذا كانت الأوامر غير واضحة، فالخطأ يقع على عاتق القائد. وهذه المقولة المهمة جداً تختصر الكثير، وفيها من الدلالات الكافية والإشارات الواضحة ما يفسّر لماذا فشلت الدولة ومؤسساتها في التصدّي لتحرّكات الفصائل المسلحة والمليشيات الفاعلة في لحظة المواجهة. وباختصار، كانت الأوامر واضحة، ولكن – في بلدٍ بالغ التعقيد – ثمة من يفضّل “الانسحاب” على “الإقدام”، من دون أي اكتراثٍ بالتوجيه أو الأمر العسكري، بل تماشياً مع مصلحةٍ سياسية، أو غيرها، وبذلك تغيب مصلحة الوطن، ويتحوّل القائد العام للقوات المسلحة إلى شخصٍ فاقدٍ للأدوات، محدودِ الخيارات، مقيّدِ الخطوات. وهذا ما أوجب تقييماً شاملاً للمقاربة والخطة والأدوات، بهدف تجنيب العراق أي انفجارٍ أو حمام دم، نتيجة صراعٍ داخلي أو إقليمي.

لقد كان المشهد واضحاً أمام ناظري، وعبّرت عنه في كلمةٍ لي في مدينة السليمانية (تشرين الأول/أكتوبر 2022): “فلنتمسّك بالحوار والحوار والحوار… ولا شيء غيره، فهو سبيلنا الوحيد لحلّ الأزمة، وإلا فالنار ستحرق الجميع، لا سمح الله”. وقد فسّر البعض – حينها – هذه الرسالة على أنها تتعلق بالصراع السياسي المحلي، لكن من يراجع تلك الفترة على المستوى الإقليمي يدرك جيداً أن المنطقة كانت تتجه، وبسرعة، إلى لحظة انفجارٍ كبير، وأن العراق لن يكون بمنأى عنها. وسبق هذا التعبيرَ قولٌ آخر في صيف العام نفسه: “ألف يومٍ من الحوار خيرٌ من لحظةٍ تُسفك فيها الدماء”. لقد آمنت بأن الحوار الجاد الهادئ، الذي يضمن مصلحة الدولة ويحمي كرامة شبابنا، هو السبيل الوحيد لحلّ هذه الأزمة، بعيداً عن الكلام والتصريحات التي خبرناها طوال الأشهر الماضية، والتي أثبتت أنها فارغة لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، خاصةً أن بعض من رفض السلاح علناً، بناءً على مصالحه، كان – سرّاً – يتماهى مع متطلبات السلاح الاقتصادية، في تعدٍّ واضحٍ على الدولة ومؤسساتها، وانتهاكٍ صارخٍ لفكرة عملنا لأجلها بكل صدقٍ وإخلاص، الأمر الذي أنتج حضوراً دبلوماسياً فاعلاً للعراق على الساحة الإقليمية.

والمؤسف أن من هاجم الكاظمي ومقاربته سابقاً عاد اليوم ليتبناها، بما يؤكّد أن المشكلة – حينها – لم تكن في طبيعة الطرح والمقاربة، بل في نظرة البعض إلى من يطرح ويقارب ويبادر إلى رسم الخطط الإنقاذية قبل فوات الأوان. وللتاريخ، لا يهمني ذلك؛ فالمهم أن يبقى العراق، وأن نحفظ مصالحه، وأن نقدّمها على المصالح الخاصة والضيقة جميعها.

الاقتصاد والسلاح نقيضان لا يلتقيان

على مدى الأسابيع الماضية، ساد حديثٌ في العراق حول وضعنا الاقتصادي ومآلاته؛ فهو لا يبعث على الاطمئنان إذا استمر على ما هو عليه، والحرب القائمة زادت من هشاشته، بل ستسهم في تعريته. فالتوسع الكبير في القطاع العام، واستمرار الاعتماد على نمطٍ اقتصادي غير منتج، يقودان – إن لم تتم معالجتهما – إلى اختلالاتٍ خطيرة قد تصل إلى نقطة الانفجار. وهذا يتطلب منا أن نتحرك برؤيةٍ اقتصاديةٍ واضحة، تقوم على ترشيق القطاع العام، وتوسيع دور القطاع الخاص، وبناء اقتصادٍ قادرٍ على النمو والاستدامة.

غير أن القطاع الخاص لا ينمو في الفراغ. فهو يحتاج إلى بيئةٍ مستقرة، وإلى ثقة، وإلى دولةٍ قادرةٍ على فرض القانون، وضمان الأمن، وحماية الاستثمار. والمستثمر الخارجي، على وجه الخصوص، لا ينظر فقط إلى الفرص، بل إلى مستوى المخاطر. وفي ظل وجود سلاحٍ خارج إطار الدولة، تبقى هذه المخاطر مرتفعة، وتبقى الثقة محدودة، مهما كانت الإمكانات المتاحة. ومن هنا، فإن معالجة ملف السلاح لا ترتبط فقط بالأمن، بل ترتبط مباشرةً بمستقبل الاقتصاد الوطني. فكلما نجحنا في تنظيم هذا الملف، وتعزيز هيبة الدولة، وفرض القانون، استطعنا أن نفتح الباب أمام الاستثمار، وأن نعيد بناء الثقة، وأن نضع الاقتصاد على مسارٍ مختلف.

وعليه، فإن معالجة هذه المعضلة لم تعد خياراً سياسياً، بل أصبحت ضرورةً وطنيةً تمليها طبيعة المرحلة التي نمر بها. وهذه ليست قضايا منفصلة عن بعضها بعضاً، بل مترابطة ترابطاً عضوياً. فلا يمكن أن نبني اقتصاداً قوياً في ظل بيئةٍ غير مستقرة، ولا يمكن أن نحقق استقراراً حقيقياً دون دولةٍ قادرةٍ على فرض قواعدها.

الإصلاح الممكن

من هنا، تبرز الحاجة إلى إطلاق حوارٍ وطنيٍّ شاملٍ ومنتج، لا يقوم على تبادل الاتهامات أو استحضار الانقسامات، بل على المكاشفة الصادقة والمسؤولة، ويدفع باتجاه اجتراح حلولٍ جذرية لهذه المعضلة. حوارٌ لا ننتظر رعاةً خارجيين لإنجاحه، بل مبادرةٌ وطنيةٌ خالصة من الإخوة القادة المسؤولين والمعنيين، يضعون مصلحة العراق أولاً، ويهدفون من خلاله إلى تقييم التجربة بموضوعية، وتشخيص مواطن الخلل، والانطلاق نحو إصلاحٍ حقيقي يعيد للدولة هيبتها ودورها ومكانتها، ويحرّرها من فكرة الارتهان إلى فكرة تجسير العلاقات وتعزيز الحضور وبناء الدور.

وينطلق هذا الحوار من ثوابت لا خلاف عليها، في مقدمتها أن السيادة لا تتجزأ، وأن القانون هو المرجعية العليا، وأن الدولة هي المظلة الجامعة لجميع أبنائها من دون تمييز. وهو حوارٌ من شأنه – وللمرة الأولى والأخيرة – أن يعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، من خلال ترسيخ العدالة، وتعزيز الشفافية، وإنهاء كل مظاهر الازدواجية التي أضعفت الدولة ومؤسساتها ونظامنا السياسي. وهذا المسار ليس محاولةً للتقويض أو الهدم، بل خطوةٌ ضروريةٌ نحو التصحيح والبناء. فالدول لا تُبنى دفعةً واحدة، بل عبر مراجعاتٍ مستمرة، وإرادةٍ صادقةٍ في التغيير، واستعدادٍ دائمٍ لتحمّل الجميع المسؤولية الوطنية في اللحظات المصيرية. وهذا يتطلب شجاعةً في الطرح، وصدقاً في النوايا، واستعداداً لتقديم التنازلات لأجل الوطن، لا لأي اعتبارٍ آخر.

العراق اليوم بحاجة إلى عقدٍ وطنيٍّ جديد، يعيد تعريف العلاقات والمفاهيم التي ما تزال محل إشكالٍ وجدل، وعلى رأسها العلاقة بين الدولة والمجتمع، بهدف تأسيس مرحلةٍ قائمةٍ على الاستقرار وسيادة القانون واحترام المؤسسات. عقدٌ يضمن أن يكون السلاح بيد الدولة وحدها، وأن يكون القرار عراقياً خالصاً، وأن تكون كرامة المواطن وأمنه في صلب أولويات الحكم.

إنها دعوةٌ مفتوحة لكل العراقيين، قادةً ومسؤولين، ونخباً سياسيةً وأكاديميةً ومجتمعية، للجلوس إلى طاولةٍ واحدة، والانطلاق نحو مرحلةٍ جديدة يكون عنوانها: دولة واحدة، وسلاح واحد، وقرار وطني مستقل. وهذه دعوةٌ قد لا يُصغي إليها حملة البنادق والصواريخ والمسيّرات، لكنها موجّهة إلى العقلاء الذين يدركون جيداً أن فرصة الإنقاذ والنجاح ما تزال قائمة قبل فوات الأوان؛ فإن نجحنا، فبإمكان العراق أن يستعيد دوراً مفقوداً، حاملاً مشروعاً إصلاحياً من شأنه أن يفرض نفسه في ساحةٍ يُعاد ترتيبها، فيكون مؤثراً لا متأثراً، ناقلاً تجربته الإصلاحية إلى دولٍ تعاني من أزماتٍ مماثلة، وتحتاج إلى جهودٍ صادقةٍ لمعالجتها. أما إذا فشلنا، فلا ينفع الندم.

رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق

تنويه: الآراء الواردة في المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تمثّل بالضرورة رأي المجموعة العراقية للشؤون الخارجية.

لتحميل ومشاهده نسخة PDF بتنسيق كامل ، اضغط على الزر أدناه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى