واثق السعدون/باحث وأكاديمي
في خضمّ ما يشهده العالم في الوقت الحاضر من تغيّرات مناخية متسارعة وموجات جفاف متكرّرة، لم تعد مشكلات المياه العابرة للحدود في مختلف قارات العالم مجرّد قضايا تُناقَش في المنشورات والملتقيات الأكاديمية بوصفها نوعًا من الاستشراف الفكري لأزمات مستقبلية محتملة، بل غدت تحدّيات وجودية حقيقية تهدّد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والأمني للدول المتشاطئة على الأنهار الدولية المشتركة.
وعلى الرغم من وجود قوانين دولية تنظّم شؤون الأنهار الدولية المشتركة، فإنها لم تُثبت قدرة كافية على فرض تقاسم عادل ومنصف للمياه بين دول المنابع ودول الممر. فغالبية دول المنابع لا تشعر بوجود قوة إلزام صارمة لهذه القوانين، الأمر الذي يدفع الدول المتشاطئة، ولا سيما دول الممر، إلى اللجوء لعقد اتفاقات وتفاهمات ثنائية أو إقليمية مع دول المنابع، تجنّبًا لغبن حقوقها المائية ومنعًا للانزلاق نحو الصراعات، وذلك عبر الارتكاز على المصالح المشتركة وتحسين طبيعة العلاقات المتبادلة. وليس من المفيد النظر إلى هذه السياسات بوصفها ضغوطًا تمارسها دول المنابع على دول الممر، بقدر ما تكمن الأهمية في قدرة دول الممر على صياغة خطط دبلوماسية واقتصادية تجعل كفاية مواردها المائية مصلحة حيوية ومباشرة لدول المنابع نفسها.
شهدت بغداد في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 2025 مراسم توقيع وزيري خارجية العراق وتركيا على الآلية التنفيذية لاتفاقية التعاون في مجال المياه بين البلدين. وقد تضمّنت الاتفاقية عناصر ورؤى جديدة، إلى جانب المطالبة بالتقاسم العادل للمياه العابرة للحدود، من بينها دعوة تركيا إلى المساهمة في تحسين إدارة الموارد المائية في العراق عبر مشاريع استثمارية تنفّذها شركات تركية لتطوير البنى التحتية لأنظمة الري والسدود ومحطات تصفية المياه ومعالجتها، فضلًا عن تخصيص نسبة من عائدات النفط العراقي المُصدَّر عبر الموانئ التركية لتسديد مستحقات هذه الشركات.
وتُعدّ هذه المضامين الجديدة خطوة لافتة في مسار هذه المشكلة المزمنة بين البلدين، إذ قد تسهم في نقلها من إطار الخلافات والتوتر وتبادل الاتهامات إلى مسار تعاوني، يقوم على ربط تقاسم المياه بالتعاون الاستثماري في مجالات الطاقة وتطوير البنى التحتية للري والتنمية الاقتصادية. وبذلك، فإن ضمان حصول العراق على حقوقه المائية من تركيا، واستمرار تصدير نفطه عبر الموانئ التركية، سيغدو مصلحة اقتصادية مهمّة لتركيا أيضًا، وليس للعراق وحده.
وقد تباينت التقييمات حول الاتفاقية الجديدة؛ فالمؤيدون يرون فيها نمطًا جديدًا من التعامل الواقعي مع قضية عالقة منذ عقود، ينطوي على حلول عملية تحقق مصلحة مشتركة للطرفين (رابح–رابح). في المقابل، اعتبرها الرافضون تمهيدًا لتحكّم تركي في إدارة الموارد المائية العراقية، وارتهانًا لعائدات النفط العراقي المُصدَّر عبر تركيا مقابل المياه الواردة منها، فيما أُطلق عليه معادلة «النفط مقابل الماء». أما الفريق الثالث، فيرى أنها لا ترقى إلى مستوى اتفاقية راسخة، بل تقتصر على تفاهمات أولية تفتقر إلى قوة إلزام حقيقية. ويبقى الاختبار الفعلي لجدّية هذه الاتفاقية وأهميتها مرهونًا بمدى تحويل مبادئها وبنودها إلى خطوات عملية ملموسة على أرض الواقع، بعيدًا عن التسويف أو الإهمال.
لقد أُشبعت قضية تقاسم المياه بين تركيا والعراق دراسةً ونقاشًا في أطرها السياسية والاقتصادية والفنية والتقنية، غير أنها ما تزال بحاجة إلى مقاربة من منظور مبادئ العلاقات الدولية، التي يمكن أن تعزّز حقوق العراق في هذه القضية، وتضع تركيا أمام التزامات إضافية تجاه دول الممر في نهري دجلة والفرات. فمبادئ العلاقات الدولية تشكّل، في كثير من الأحيان، ناظمًا أخلاقيًا للعلاقات بين دول المنابع ودول الممر، ولا سيما عندما تعجز القوانين الدولية أو الاتفاقات الثنائية عن تنظيم هذه العلاقة على نحو عادل ومستدام.
يمكن تصنيف مبادئ العلاقات الدولية إلى نوعين: مبادئ تقليدية، مثل السيادة، واحترام الحدود ووحدة الأراضي، وعدم التدخل، والالتزام بالاتفاقيات الدولية، والمساواة بين الدول، وحل النزاعات بالطرق السلمية؛ ومبادئ حديثة نتجت عن تفاعلات النظام الدولي المعاصر، مثل المصالح المشتركة، والتعاون الدولي، وحقوق الإنسان، والتنمية المستدامة. وتهدف هذه المقالة إلى مناقشة اتفاقية المياه بين العراق وتركيا في ضوء ثلاثة مبادئ رئيسة ذات صلة مباشرة بطبيعة العلاقات الدولية المعاصرة، هي: المصالح المشتركة، والتعاون الدولي، وحماية حقوق الإنسان.
اتفاقية المياه بين العراق وتركيا ومفهوم المصالح المشتركة
شهد حقل العلاقات الدولية، منذ الربع الأول من القرن العشرين، تطورًا فكريًا متواصلًا، تمثّل في تعدد المدارس والنظريات التي سعت إلى توصيف الظواهر الدولية وتفسيرها وفهمها وفق أطر معرفية متباينة. وقد جاء هذا التعدد نتيجة طبيعية لتزايد الإسهامات البحثية في هذا التخصص، ولتنوع العوامل المؤثرة في طبيعة العلاقات الدولية عبر الزمن، سواء العوامل التقليدية كالقوة والجغرافيا والاقتصاد والسكان، أم العوامل الحديثة كالدبلوماسية والقوة الناعمة والتكنولوجيا.
أسهم هذا التطور النظري والتطبيقي في بلورة مبادئ عامة للعلاقات الدولية، تحوّلت إلى قواعد ومفاهيم مشتركة بين مختلف النظريات، تُستخدم لتنظيم وضبط التفاعلات بين الدول. ومن بين أبرز النظريات السائدة في الوقت الحاضر، تبرز ثلاث نظريات رئيسة: النظرية الواقعية بأشكالها المختلفة، التي تنظر إلى النظام الدولي بوصفه ساحة صراع وتنافس، وتعطي الأولوية لمصالح الدولة وأمنها وبقائها، حتى لو جاء ذلك على حساب بعض الاعتبارات الأخلاقية؛ والنظرية الليبرالية، التي ترى أن السلام والاستقرار والازدهار الدولي يمكن تحقيقها من خلال التعاون واحترام القوانين الدولية وقرارات المنظمات الدولية والإقليمية، لا عبر الصراعات، وأن بناء المصالح المشتركة والروابط الاقتصادية والأمن الجماعي يمثل السبيل الأمثل للحد من النزاعات؛ والنظرية البنائية، التي تنطلق من فرضية أن مصالح الدول ليست ثابتة، بل تُبنى اجتماعيًا من خلال التفاعلات الداخلية والخارجية، ويمكن أن تتغير وتتطور بمرور الزمن.
وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة التي وُجّهت إلى النظرية الواقعية بسبب تركيزها الضيق على مصالح الدولة وإغفالها للمصالح المشتركة والمعايير الأخلاقية، فإن المصالح المتبادلة التي تطرحها اتفاقية التعاون المائي الأخيرة بين العراق وتركيا يمكن، حتى من منظور واقعي، عدّها مصالح وطنية تركية مباشرة. فهذه الاتفاقية تتيح فرصًا اقتصادية مهمّة لتركيا من خلال الاستثمار في قطاعات الطاقة والري والزراعة في العراق، فضلًا عن أن تفاقم أزمة المياه في العراق يترك آثارًا سلبية على صورة تركيا في الرأي العام العراقي، ويُضعف من فاعلية قوتها الناعمة وقدرتها على الترويج لمصالحها الاقتصادية هناك.
من جهة أخرى، يُعدّ الأمن المائي شرطًا أساسًا لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة في العراق. فاستمرار شحّة المياه سيقوّض فرص النهوض الاقتصادي، ويُبقي الاقتصاد العراقي أسير الطابع الريعي المعتمد على عائدات النفط، الأمر الذي يفاقم ظاهرتي البطالة وانتشار الجماعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة، وهما ظاهرتان مترابطتان. وتُعدّ هذه الجماعات معادية لمصالح تركيا وأمنها، ما يجعل أزمة المياه في العراق، وفق هذا المنظور، تهديدًا غير مباشر للأمن القومي التركي ذاته.
أما وفقًا للنظرية الليبرالية، التي تمنح المصالح المشتركة موقعًا محوريًا في تفسير العلاقات الدولية، فإن اتفاقية المياه بين العراق وتركيا تفتح آفاقًا واسعة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين. فتركيا دولة صناعية وتجارية وزراعية، وتمثّل ممرًا استراتيجيًا لموارد الطاقة بين آسيا وأوروبا، في حين يُعدّ توفر المياه شرطًا وجوديًا لأي نشاط اقتصادي في العراق أو معه. وعليه، فإن تفعيل بنود الاتفاقية من شأنه التخفيف من حدّة الأزمة المائية في العراق، وتمكينه من النهوض الاقتصادي، بما يجعله سوقًا واعدًا للمنتجات والاستثمارات التركية.
وفي إطار النظرية البنائية، التي ترى أن المصالح تُنتج اجتماعيًا من خلال التفاعلات والقيم المشتركة، فإن المجتمع التركي لا يمكن فصله عن محيطه الإقليمي، ويتأثر بأزماته كما يؤثر فيها. ومن هذا المنطلق، يصعب تصور قبول مجتمعي تركي دائم لوفرة مائية داخلية تقابلها معاناة إنسانية حادة في العراق، لا سيما في ظل الروابط التاريخية والثقافية بين المجتمعين.
اتفاقية المياه بين العراق وتركيا ومبدأ التعاون الدولي
تتباين مقاربات نظريات العلاقات الدولية تجاه مبدأ التعاون الدولي، إذ تنظر إليه الواقعية كأداة مؤقتة لخدمة المصالح الذاتية، فيما تعتبره الليبرالية وسيلة لتحقيق السلم والاستقرار والازدهار، وترى البنائية أنه عملية اجتماعية تتشكّل من خلال الأعراف والهويات والأفكار المشتركة. وبغضّ النظر عن هذا التباين، فإن طبيعة التحديات المعاصرة، ولا سيما التغير المناخي وأزمات المياه، فرضت التعاون الدولي بوصفه خيارًا لا غنى عنه.
وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى أزمة المياه بين العراق وتركيا بوصفها إحدى نتائج التغيرات المناخية وموجات الجفاف، أي ككارثة طبيعية عابرة للحدود تستدعي تنسيقًا وتعاونًا وثيقًا بين البلدين. وتكتسب البنود المتعلقة بتبادل البيانات الهيدرولوجية والبيئية، وعقد الاجتماعات الطارئة عند انخفاض المناسيب أو حدوث كوارث بيئية، أهمية خاصة في هذا الإطار.
كما أن مشاركة تركيا، بموجب الاتفاقية، في تحديث وإدارة البنى التحتية المائية في العراق، تمثل فرصة عملية لتحويل التعاون الدولي من إطار نظري إلى ممارسة تطبيقية، تسهم في معالجة الخلل الإداري والفني الذي طالما استُخدم ذريعة لتبرير تفاقم الأزمة المائية. وإذا ما فُعّلت هذه المضامين، فإن الاتفاقية قد تشكّل نموذجًا إقليميًا ناجحًا للتعاون القائم على المصالح المتبادلة.
اتفاقية المياه بين العراق وتركيا ومبدأ حماية حقوق الإنسان
أدّت التجارب المريرة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية إلى ترسيخ حماية حقوق الإنسان بوصفها ركيزة أساسية في العلاقات الدولية. وفي العقود الأخيرة، توسّعت التشريعات الدولية لتشمل الحق في الحصول على المياه ضمن منظومة حقوق الإنسان الأساسية، بوصفه شرطًا للحياة والصحة والغذاء والكرامة الإنسانية.
وفي هذا الإطار، تكتسب قضية تقاسم المياه بين العراق وتركيا بُعدًا إنسانيًا بالغ الأهمية، إذ إن الفئات الأكثر تضررًا من شحّة المياه في العراق هي الفلاحون وأصحاب المشاريع الزراعية الصغيرة، فضلًا عن سكان المحافظات الجنوبية، ولا سيما محافظة البصرة. ويُنتظر من تركيا، بوصفها دولة منبع، أن تأخذ هذا البعد الإنساني في الحسبان عند إدارة ملف المياه العابرة للحدود.
لقد أظهرت تركيا في مناسبات دولية عدّة اهتمامًا بحماية حقوق الإنسان خلال الأزمات، كما حدث في دورها في اتفاق إسطنبول لتصدير الحبوب عام 2022، وفي تلقيها دعمًا دوليًا واسعًا عقب زلزال شباط/فبراير 2023. ومن هذا المنطلق، يتطلع العراقيون إلى موقف تركي يستحضر الاعتبارات الإنسانية إلى جانب المصالح السياسية والاقتصادية.
خلاصة
تمثّل اتفاقية المياه الأخيرة بين العراق وتركيا تحوّلًا نوعيًا في مقاربة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في العلاقات الثنائية بين البلدين. فهي لا تقتصر على المطالبة بالتقاسم العادل والمنصف للمياه، بل تطرح إطارًا أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري في مجالات إدارة الموارد المائية والطاقة والتنمية.
ويعتمد نجاح هذه الاتفاقية على مدى جدّية الطرفين في تحويل بنودها إلى خطوات عملية ملموسة، وعلى تبنّي مقاربة شاملة توازن بين الاعتبارات الاقتصادية والتقنية من جهة، والالتزامات الأخلاقية والإنسانية من جهة أخرى. فالنظر إلى المياه بوصفها سلعة تجارية فحسب يُفرغ هذه القضية من بعدها الإنساني، في حين أن التعامل معها باعتبارها حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان ينسجم مع مبادئ العلاقات الدولية المعاصرة، ويعزّز فرص الاستقرار والتعاون المستدام بين العراق وتركيا.