المقالات
نوفمبر 17, 2025

حكمة التغيير وفن التقدير في المساهمات المحددة وطنياً المحدثة للعراق

د. أحمد كَيلاني، زميل باحث مركز أبحاث الطاقة في المملكة المتحدة

بداية لابد من القول بأن الضرورة البحثية تستدعي توضيح ماهية وثيقة المساهمات المحددة وطنياً NDC للعراق؟ وهل هي مفيدة للعراق على المستوى الوطني؟، يمكن القول في البدء بأنها خطة عمل وطنية يقدمها العراق كجزء من التزاماته المُلزمة قانونياً في اتفاق باريس للمناخ. توضّح ماذا سيفعل العراق خلال السنوات المقبلة لتقليل الانبعاثات والتكيّف مع آثار تغير المناخ. وهي بمثابة خارطة طريق اقتصادية تُوجّه الاستثمارات وتُبرّر طلب التمويل الدولي للعراق، وتُطمئن السوق بأن لدى العراق برنامجًا واضحًا للطاقة والبنى التحتية.

داخليًا: تُعتبر وثيقة المساهمات المحددة وطنياً مرجعًا للحكومة والوزارات والقطاع الخاص لتحديد السياسات والاستثمارات المناخية فلا تستطيع اي وزارة تجاوز ما مسموح لها للعمل ضمن الوثيقة! ولذلك تحدد كل استثمارات وخطط الوزارات والمؤسسات. فمثلا، لو مطلوب لغرض تحقيق أهداف الوثيقة لبلد ما تقليل انبعاثات قطاع الكهرباء الى ٢٠ مليون طن كربون مكافئ مثلا، وحاليا القطاع انبعاثاته ٤٠ مليون، فهذا شيء مهم جدا لأن الوثيقة توجه عمل الاستثمارات المطلوبة لتحقيق الهدف وتوجيه استثمارات القطاع الخاص كما هو حاصل في معظم الدول وخصوصا الغربية والصين. عدم العمل لتحقيق الهدف يعني وجود خطر كبير على سمعة البلد فضلاً على تأثر البلد من ناحية التمويل المناخي كون ان تحقيق المساهمات المحددة وطنياً هو من أهم اهداف اتفاق باريس للمناخ.

أما على المستوى الخارجي تُظهر التزام الدولة أمام المجتمع الدولي وتفتح الباب أمام التمويل المناخي والاستثمارات الخضراء. إلى جانب المؤسسات الدولية (صندوق المناخ الأخضر، بنوك التنمية، المانحون) تعتمد على الـوثيقة لتحديد أولويات تمويل المشاريع في البلد. بدون وثيقة واضحة، يصبح من الصعب جذب الاستثمارات أو المنح.

للأسف في العراق البعض يعتبرها وثيقة هامشية تتبع وزارة البيئة، بينما بالحقيقة أغلب الدول الغربية تعتبر الوثيقة المرجع لكل سياسات البلد في الطاقة والاقتصاد وما موجود فيها يفوق أي وثيقة أخرى، بل حتى بعض الدول تجعل ما فيها مُلزم قانونياً مثل المملكة المتحدة. فمثلاً، سياسة الوصول للحياد الصفري Net Zero  هو هدف المساهمات المحددة وطنياً البريطانية ونفس الهدف مُشرع في البرلمان كقانون يجب على كل الوزارات الالتزام به وتحقيقه مهما كانت الكلفة! ومهما كانت توجهات الأحزاب التي تقود الحكومة!

لماذا يجب ان تكون وثيقة المساهمات المحددة وطنيا للعراق المرجع الرئيسي للوزارات والمؤسسات؟

لا يخفى على كثير أن أغلب الوزارات القطاعية مثل الكهرباء والصناعة والنفط والغاز والنقل والبلديات وغيرها تستخدم الوقود بشكل يومي كجزء من اليات عملها. فمثلا تحرق وزارة الكهرباء الغاز وأنواع الوقود الأخرى في محطاتها لتوليد الكهرباء وهذا يؤدي الى تولد انبعاثات الغازات الدفيئة.

ولأن وثيقة المساهمات المحددة وطنياً تُحدد كمية الانبعاثات السنوية لكل قطاعات البلد، اذن هي تحدد اليات عمل الوزارات بالحقيقة ومشاريعها واستثماراتها، فلا يجوز للوزارات والمؤسسات تجاوز الحد الأقصى للانبعاثات المسموح به للبلد في الوثيقة.

قد يقول قائل، لماذا اذن يحب علينا ان نلتزم بما ورد في الوثيقة، أليس هذا يشكل عبئا على الوزارات او الدولة؟ وهنا نقول ان الالتزام بالوثيقة دائماً يضمن عمل مشاريع سهلة نسبياً لتخفيض الانبعاثات من مصلحة الدولة العراقية وبدون كلفة عليها لقاء أرباح وتمويل دولي يضمنه اتفاق باريس للمناخ. كما أن الوثيقة لا تفرض على الدولة تحمل أعباء لتخفيض الانبعاثات خارج طاقتها كما سنرى لاحقاً.

فمثلاً، ان أغلب المشاريع التي يتم عملها في العراق حالياً هي مشاريع لزيادة كفاءة وموارد الطاقة Energy and Resource Efficiency والتي أيضا غالبا ما تكون هي مشاريع تخفيض انبعاثات وهي من مصلحة العراق الاقتصادية العليا أولاً ان يتم عملها حتى ولو كانت بكلف بدائية عالية وذلك لأنها ستحقق فوائد أكبر من الكلف على المدى البعيد او مدى أعمار المشاريع. او يتم عمل تلك المشاريع لتحقيق مصالح داخلية اجتماعية.

كما إن رفع اختناقات الشبكة الكهربائية ستقلل خسائر الشبكة الكهربائية وبالتالي تقليل الانبعاثات على المدى البعيد وكذلك زيادة الكفاءة المترتبة بنسبة الثلث من تحويل المحطات ذات الدورات البسيطة الى المركبة مما يسهم في رفع نسبة تجهيز الطاقة الكهربائية وبنفس الوقت تقليل الانبعاثات كأمر ثانوي.

ولذلك، فالعراق يعمل هذه المشاريع لجدوتها الاقتصادية او الاجتماعية بغض النظر عن الانبعاثات المتولدة. فتلك المشاريع لا يتم عملها لأنها تخفض الانبعاثات بالدرجة الأساس، بل لأنها ذات جدوى برفع كفاءة الطاقة وزيادة موارد الطاقة. وبنفس الوقت، يُعتبر العراق أحد أكثر الدول تضرراً من اثار التغير المناخي، ولذلك يحتاج كثيراَ للتمويل للتكيف مع اثار التغير المناخي وكذلك الوصول الى التمويلات اللازمة نتيجة للخسائر والاضرار التي تُسببها اثار التغير المناخي كالعواصف الشديدة وموجات الحر. ولا يستطيع العراق المطالبة بالتمويل بدون وجود وثيقة المساهمات المحددة وطنياً مكتوبة بشكل دقيق وعلمي.

لقد حصل العراق لحد الان على تمويل بقيمة ٥٠ مليون دولار أمريكي من صندوق المناخ الأخضر لمساعدة العراق في قطاع الزراعة لزيادة المرونة المناخية خصوصا في محافظاتنا الجنوبية. ولو تطرقنا لكل التمويلات التي يحصل عليها العراق في مجال البيئة والتغيرات المناخية لكان الرقم أكبر بكثير. وتضمن الوثيقة عمل مشاريع تخفيض انبعاثات لا تكلف الدولة وتربح من التمويلات الدولية المختلفة وبذلك يكون اتفاق باريس غالباً مربح اقتصاديا للعراق.  

ماذا لو لم تلتزم الوزارات والمؤسسات بوثيقة المساهمات المحددة وطنيا؟ سيكون العراق غير محقق للمساهمات وسيتوقف التمويل تماماً ويُعتبر نظرياً خارج اتفاق باريس للمناخ مع عزلة تنظيمية وتمويلية هائلة في عالم يفرض ثمناً لانبعاثات الكربون على الحدود.

لماذا تُعد وثيقة المساهمات المحددة وطنيا المحدثة لسنة ٢٠٢٥ أفضل من وثيقة المساهمات المحددة القديمة للعراق لسنة ٢٠٢١؟

بداية هي سنة الحياة أن نتعلم من اخطائنا السابقة فلا ضير في ذلك، فمع تقدم الزمن ومواكبة التطور العلمي والتكنلوجي واستمرار زخم العمل المناخي، من الطبيعي ان تكون المساهمات المحدثة لسنة ٢٠٢٥ أفضل من ٢٠٢١، خصوصا في فصل تخفيض الانبعاثات Mitigation، تم عمل وثيقة المساهمات المحددة وطنيا وفق أحدث المعايير والنمذجة العلمية بما يتناسب مع حجم وتاريخ بلد مثل العراق.

فمثلا، تم ولأول مرة نمذجة سيناريو الأساس Business-as-usual وفق مبادئ علمية صحيحة والجرد الوطني للانبعاثات المتوفر لسنة ٢٠٢٠-٢٠٢١ وتقرير الشفافيةBTR  للعراق ليمثل بذلك انطلاقة حقيقية لتقدير انبعاثات العراق الكلية لكل القطاعات.

الشكل ادناه يوضح سيناريو الأساس لانبعاثات العراق الكلية في شتى القطاعات (الطاقة، الصناعة، الزراعة، النفايات، استخدام الأراضي) حسب تصنيف الIPCC وانطلاقاً من الجرد الوطني للانبعاثات لسنة ٢٠٢٠ حيث يشكل قطاع الطاقة أكثر من ٧٥٪ من الانبعاثات الكلية للبلد كما يوضح انه بغياب سياسات مناخية لتخفيض الانبعاثات ومع زيادة عدد سكان العراق (وبالتالي زيادة استهلاك الطاقة والانبعاثات) فان انبعاثات العراق الكلية قد تصل الى ٣٠٠ مليون طن كربون مكافئ بحلول ٢٠٣٥.

ولعمل الشكل ادناه (سيناريو الأساس)، يجب عمل النمذجة تفصيلياً لمحددات الانبعاثات في القطاعات المختلفة للدولة مثل توقع ذروة الطلب لقطاع الكهرباء الان ومستقبلا، توقع عدد السيارات الكلية لقطاع النقل، توقع معدل انتاج النفط، تضمين محددات كفاءة الطاقة، تضمين المشاريع المنجزة قبل ٢٠٢٥، وتوقع عدد السكان والناتج القومي الإجمالي وهذا يُعتبر عمل لا يمكن إنجازه في يوم وليلة بل يجب ان يتم عمله من مختص في النمذجة.

إذ إنه بدون وجود سيناريو الأساس، لن تستطيع حساب تخفيض الانبعاثات كما لا يمكننا معرفة إذا ما كان بلد ما قد حقق هدف المساهمات المحددة وطنياً في اتفاق باريس ولذلك سيناريو الأساس مهم جداً. للأسف، كانت وثيقة المساهمات الأولى لسنة ٢٠٢١ بدون سيناريو أساس أصلاً، وبالفعل دوخت العالم ومنظمات الأمم المتحدة في كيفية حساب تلك ال١-٢٪ كتعهد لتخفيض الانبعاثات وعلى أي أساس! وكم تمثل كرقم تلك ال١-٢٪

وبناءاً على سيناريو الأساس والاجماع الفني والسياسي، تم تحديد تعهدات العراق ضمن اتفاق باريس للمناخ من ناحية تخفيض الانبعاثات كما في الشكل ادناه بواقع تقليل ٣٪ من انبعاثات العراق لسنة ٢٠٣٠ (زيادة بمقدار ١٪ عن التعهدات السابقة) و٥٪ من انبعاثات العراق لسنة ٢٠٣٥ كتعهدات غير مشروطة لتحقيق اهداف اتفاق باريس وتخفيض ١٧٪ من سنة ٢٠٣٥ كتعهد مشروط بالحصول على التمويل الدولي او من خلال تفعيل أسواق الكربون.

كما تم استخدام النموذج العالمي Global Change Analysis Model(GCAM)  والمستخدم من قبل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC  لغرض حساب كلفة تحقيق اهداف طموح تخفيض الانبعاثات للعراق تفصيلياً لسنة ٢٠٣٠ و٢٠٣٥ حيث تم تقديرها بواقع ١.٧ مليار دولار لهدف التخفيض غير المشروط ٣٪ لسنة ٢٠٣٠ وحوالي ٦ مليار دولار لهدف التخفيض غير المشروط ٥٪ سنة ٢٠٣٥ و٢١ مليار دولار لهدف التخفيض المشروط ١٧٪ بحلول سنة ٢٠٣٥. يُذكر أيضا انه يجب حساب الفوائد المترتبة من تحقيق اهداف المساهمات المحددة وطنياً ضمن خطة التنفيذ المنفصلة وضمن تقارير الشفافية لفترة السنتين.

ولما كانت المساهمات الوطنية لسنة ٢٠٢٥ تحتوي على تفاصيل فنية وعلمية أوسع وأعمق من ٢٠٢١ بناءاً على ما تقدم، فانها تكون طفرة نوعية مقارنة بمساهمات سنة ٢٠٢١ كما فصلت في مقالي بعض المؤاخذات على مساهمات السابقة: الأجوبة الحاسمة للخيالات الحالمة: العراق واتفاق باريس للمناخ ومنها تحديد هدف تمويل غير واقعي بواقع ١٠٠ مليار دولار.

ما الذي يحتاجه العراق لتنفيذ المساهمات المحددة وطنيا واستحصال التمويلات الدولية؟

بكل صراحة، لا يمكن تحقيق وتنفيذ المساهمات المحددة وطنياً للعراق مع كل تشعباتها في قضايا التخفيف والتكيف والخسائر والاضرار والحصول على التمويل الدولي الضروري للعراق والدخول في أسواق الكربون – وهي أمور معقدة فنيا ودبلوماسيا –طالما لا توجد جهة عليا (أعلى من الوزارات القطاعية والمؤسسات) تتولى متابعة وتنفيذ المساهمات الوطنية.

المشكلة ان بعض الوزارات لا تلتزم بما يرد من وزارة البيئة بشأن تغير المناخ والمساهمات المحددة وطنيا كون وزارة البيئة ربما لا تمتلك السلطة القانونية على تلك الوزارات والمؤسسات لتحقيق وتنفيذ المساهمات المحددة وطنيا وربما لظن تلك الوزارات ان الوثيقة تتبع لوزارة البيئة فلا داعي اذن لتنفيذها.

كان قرار مجلس الوزراء لاعتماد وثيقة المساهمات المحددة وطنيا ك”اطار وطني ملزم” للبلد هو بداية طريق صحيحة لتنفيذ وعمل المساهمات المحددة وطنيا في العراق بما يخدم المصلحة الوطنية وتحقيق الفوائد الاقتصادية للعراق.

وبذلك يجب على العراق انشاء هيئة عليا رسمية مستقلة مشرعة في البرلمان تنصح الحكومة وتتابع أمر تنفيذ المساهمات المحددة وطنيا كما يجب في كل الاتجاهات والمواضيع التي تحتويها.

يُذكر ان برلمان المملكة المتحدة أنشأ في ٢٠٠٨ هيئة عليا مستقلة تكون المستشار الرسمي والقانوني للحكومة بشأن تغير المناخ تُدعى هيئة تغير المناخ Climate Change Committee  حيث تقوم بمتابعة تحقيق اهداف المساهمات المحددة وطنياً للمملكة المتحدة في كل القطاعات ونصح الحكومة بالسياسات التي يجب عملها بهذا الصدد لضمان أقل تكلفة وأعلى منفعة للحكومة والمواطن. واعرف ان الامارات أيضا بصدد انشاء هيئة او مؤسسة على غرار هيئة تغير المناخ البريطانية.

أقول هذا حيث عملت بنفسي مع هيئة تغير المناخ البريطانية لقيادة نمذجة انبعاثات القطاع الصناعي ووضع الخطط اللازمة في ميزانية الكربون السابعة للملكة المتحدة بحلول سنة ٢٠٣٨-٢٠٤٢ والتي سيتم إقرارها والقبول بها من الحكومة البريطانية في منتصف سنة ٢٠٢٦ لتكون ملزمة قانونياً لها وللوزارات والمؤسسات ذات الصلة.

لتحميل ومشاهده نسخة PDF بتنسيق كامل ، اضغط على الزر أدناه

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان