السيادة والقرار الوطني في السياسة الخارجية العراقية
يمر العراق اليوم بمرحلة مهمة تتطلب رؤية وطنية واضحة، تعزز مكانته ودوره في محيطه العربي والإقليمي والدولي، وتفتح آفاقًا أوسع لبناء الدولة وترسيخ استقرارها وتحقيق تطلعات شعبها. فالتحديات التي تواجه بلادنا تستدعي مواصلة العمل على تطوير مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها، وتوسيع علاقاتها الخارجية بما ينسجم مع مصالح العراق وتطلعات أبنائه.
لطالما آمنتُ بأن العراق أكبر من أن يكون ساحة للصراعات أو طرفًا في المحاور المتنافسة، وأن مكانته وتاريخه وإمكاناته تؤهله لأن يكون دولة فاعلة ومؤثرة في محيطها. ومن هذا المنطلق، فإن العراق بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع الحفاظ على أولوياته الوطنية.
ينبغي أن تقوم علاقاتنا مع الولايات المتحدة على شراكة متوازنة، تفتح مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي والتقني والأمني، ضمن اتفاقات واضحة تخدم مصالح البلدين وتحترم سيادة العراق. وفي الوقت ذاته، فإن إيران دولة جارة تربطنا بها علاقات تاريخية وجغرافية واجتماعية واقتصادية، ومن مصلحة البلدين تطوير هذه العلاقات على أساس حسن الجوار والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
إن العراق ليس مضطرًا إلى الاختيار بين هذا الطرف وذاك، بل إن من حقه ومصلحته أن يبني علاقات إيجابية ومتوازنة. فالعلاقة مع الولايات المتحدة لا تتعارض مع علاقاتنا مع إيران، كما أن الانفتاح على إيران لا يتعارض مع تعزيز علاقاتنا مع الولايات المتحدة والدول العربية. فالمطلوب هو توسيع الشراكات وتوظيفها بما يخدم مصالح العراق ويعزز حضوره ومكانته.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز علاقات العراق بمحيطه العربي، ولا سيما دول الخليج العربي التي تمثل امتدادًا جغرافيًا وتاريخيًا واقتصاديًا واجتماعيًا مهمًا لبلادنا. إننا بحاجة إلى علاقات عربية راسخة تقوم على الثقة المتبادلة، وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري والثقافي، وتعزيز التنسيق السياسي والأمني بما يخدم استقرار المنطقة. كما يمتلك العراق من المقومات والعلاقات ما يؤهله للقيام بدور إيجابي في تقريب وجهات النظر وتخفيف التوترات.
ولا تعارض بين انتماء العراق العربي وحرصه على إقامة علاقات مستقرة مع جميع جيرانه، بل إن قوة العراق تكمن في قدرته على بناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وهذا هو الدور الذي نطمح إلى أن يضطلع به العراق بوصفه دولة تسعى إلى الاستقرار والتفاهم.
وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية مواصلة العمل على تعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة، باعتبار ذلك ركيزة أساسية لاستقرار البلاد وحماية مواطنيها. فوجود مرجعية أمنية وعسكرية موحدة تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة يمثل أساسًا لتنظيم عمل جميع التشكيلات والقوات ضمن إطار دستوري وقانوني متكامل، يشمل الجيش والشرطة والبيشمركة والحشد المقاتل، ويحفظ حقوق الجميع وتضحياتهم.
وإن الوصول إلى هذه الغاية يتطلب التفاهم وبناء الثقة والمصالحة الوطنية، بعيدًا عن التصادم أو الإقصاء وتبادل الاتهامات. فالمطلوب هو تعزيز وحدة القرار الوطني وترسيخ الولاء للعراق ومؤسساته الدستورية، بما يضمن مشاركة الجميع في حماية البلاد وصون أمنها واستقرارها.
وفيما يتعلق بانتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، فمن المهم أن يشكل ذلك فرصة للانتقال إلى مرحلة أوسع من التعاون الدولي في المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية والأمنية، بما يتناسب مع احتياجات العراق ومصالحه. كما أن تعزيز قدرات مؤسساتنا الأمنية والعسكرية وتطوير إمكاناتها يمثلان أولوية أساسية لضمان أمن البلاد واستقرارها.
إن سيادة العراق ومكانته تقتضيان أن يكون عامل استقرار في المنطقة، وألّا تُستخدم أراضيه للاعتداء على دول الجوار أو لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. فالعراق يمتلك من التاريخ والإمكانات ما يؤهله للقيام بدور فاعل في تقريب وجهات النظر وتعزيز التفاهم وترسيخ الأمن الإقليمي.
وفي هذا الإطار، جاءت المبادرة الوطنية التي طرحتها مؤخرًا، انطلاقًا من قناعتي بأن التحديات التي يواجهها العراق مترابطة، وأن معالجتها تتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية والتفاهمات المؤقتة. فنحن بحاجة إلى مراجعة وطنية مسؤولة تعيد بناء الثقة، وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من المصالحة الوطنية والشراكة والمسؤولية المشتركة.
إن المبادرة لا تقتصر على معالجة الخلافات السياسية، بل تتطلع إلى تعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، وتطوير الأداء السياسي والإداري، وتوسيع المشاركة الوطنية على أساس المواطنة والكفاءة والنزاهة وسيادة القانون.
كما تؤكد أهمية حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز دور المؤسسات الدستورية، واعتماد سياسة خارجية متوازنة تعزز علاقات العراق العربية والإقليمية والدولية.
إن نجاح أي مشروع وطني يرتبط بقدرته على الجمع بين الإصلاح الداخلي وتطوير علاقات العراق الخارجية، ويتطلب مسارًا جادًا للمصالحة الوطنية، يمهد الطريق أمام شراكة حقيقية تقوم على المواطنة والكفاءة وتكافؤ الفرص، بعيدًا عن المحاصصة وتقاسم النفوذ، وبما يعزز فاعلية مؤسسات الدولة ويخدم جميع المواطنين.
إن ما يحتاجه العراق اليوم هو الانتقال إلى مرحلة جديدة من البناء والتنمية، وتطوير مؤسسات الدولة وتحسين مستوى الخدمات ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين. وهذا يتطلب إرادة سياسية مسؤولة تجعل خدمة المواطن وتحقيق المصلحة الوطنية العليا أساسًا للعمل والأداء العام.
وتبقى مصلحة العراق العليا هي البوصلة التي توجه رؤيتنا وتحدد مسار قراراتنا وسياساتنا، بما يصون سيادة الدولة، ويحفظ كرامة شعبها، ويؤمّن له مقومات الحياة الكريمة ومستقبلًا يليق بتضحياته وتطلعاته.





