«دولة 2003» دولة متذبذبة، وسط فضاءات واعدة!
غالباً ما نناقش موضوعَة الدولة حسب صور متخيلة وليس حقيقية، فكل فريق له تصوره وفهمه الخاص عن الدولة، فيبدأ بالكلام عن فشلها أو نجاحها أو العوامل المساعدة لقيامها وانهيارها، والعوامل المشجعة أو المعرقلة لتحقيق ذلك. كل ذلك دون أن يشخص عن أية دولة يتكلم. هل هي دولة متخيلة في ذهنه يسعى لإقامتها؟ أو تلك الموجودة في مكان آخر؟
مفردة الدولة المتداولة عندنا لا تكفي لتعريف ماهية الدولة الحديثة. كما لا تكفي الإسقاطات الفكرية التي استخدمت مفردة الدولة في بعض التطبيقات التي عرفتها بلداننا قبل الفترة الاستعمارية لجعلها قواعد معيارية للحكم على مفهوم الدولة، كما نتكلم عنها في ظروفنا المعاصرة. فالدولة آنذاك لها مضامين ومعانٍ تختلف عن مفهوم الدولة الحديثة. لذلك لا بد من تعريف الدولة التي نقصدها، ليتسنى لنا تقييم تجربتها في العراق بعد 2003.
أولاً: ما هي الدولة الحديثة
- لم يعرف العالم المعاصر مفهوم وتطبيقات الدولة الحديثة إلا من تطبيق، أو استيراد، أو فرض تجربة “الدولة الوطنية Nation State بمفاهيمها الغربية. كما طور مفاهيمها بدءاً من القرن الخامس عشر مفكرون كثيرون ومنهم: “ميكافيلي” (1469-1527) الذي فصل بين السياسة والأخلاق وجعل الدولة غاية بحد ذاتها. و”جان بودان” (1529-1596) الذي رسخ مفهوم السيادة. وهوبز (1588-1679) وفكرة العقد الاجتماعي. و”مونتسيكيو” (1689-1755) الذي رسخ فكرة القانون والحريات. و”جون لوك” (1632-1704) و”جان جاك روسو” (1712-1778)، اللذان طورا مفهوم العقد الاجتماعي ليصبح أساساً للدولة المدنية التي تحمي حقوق الأفراد كحق الحياة والحرية والملكية. و”ماكس فيبر” (1864-1920) الذي أسس لمفهوم “الشرعية” (الدستور) والبيروقراطية (المؤسسات) والجهة الوحيدة المخوّلة باستخدام القوة، والتي تعمل في إطار حدود وطنية، والمعترف بها دولياً. لهذا يشترط مفهوم الدولة الناجحة، حسب الرؤية الغربية على الأقل:
- احترام المواطنة كأساس، وقبول الآخر كمعتقد سياسي واجتماعي، واحترام الحرية الفردية والحريات العامة وحرية التعبير عن الرأي، وحكم الأغلبية والتداول السلمي للسلطة، وضمان حق الأقلية لتتحول إلى أغلبية بدورها، وحماية مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والإعلام الجماهيري.
- الدولة هي حامية السيادة والمواطنين، وهي الممثل للشعب، والسلطة المكلفة بإنفاذ القانون، وقوة المحاكم والقضاء، وحصر استخدام العنف بالدولة لفرض النظام، وبيدها قرارات السلم والحرب.
- هي الحامية لما سُمي بالنظام الحر سياسياً واقتصادياً وقيمياً.
- وهي الحريصة على الدور المتنامي للعلم والتكنولوجيا والتعليم العام، وتقدم مؤسسات الصحة العامة والرعاية الاجتماعية.
مع التأكيد أن هذه الأمور غالباً ما تُقيّم بالمعايير الغربية فقط، حسب تطورها التاريخي للجنس الأبيض، حسب العقيدة الدينية التي تطورت في أوروبا أو الغرب، مما أشاع ما صار يُعرف بمعايير الكيل بمكيالين: معيار للغرب، وآخر لبقية البلدان. فهذه الأوصاف للدولة حقيقية، ولها تقاليد راسخة في الغرب؛ لأنها نشأت معه، ولها ظروفٌ داخلية وخارجية حقيقية تغذيها، بينما هي غالباً ما تكون شكلية وسطحية في البلدان المُهيمن عليها؛ لأنها تقليد واستيراد وعمليات فرض لتطبيقات ومفاهيم لا تتوفر لها الشروط الأساسية. فمثلاً، الديمقراطية في بلداننا لم تؤسس على تقاليد التعاقد والبيعة العميقة الجذور، وكما تطورت تاريخياً في بلداننا، بل تأسست على أساس تقليد التطبيقات الأوروبية ومحاولة فرضها عبر النخب الفوقية لبلداننا.
- هذا كله على صعيد البناءات الفكرية للفلاسفة والمشرعين والمفكرين الأوروبيين، وما قادت إليه من واقع الدولة في المنظومة الغربية. وهو جهد كبير وثري بالأفكار والممارسات. تلازم مع حقيقة يتجاهلها الباحثون والعاملون لبناء الدولة في بلداننا، والتي كانت ضرورة للطروحات النظرية والتطبيقات العملية، والتي لا غنى عنها لبناء الدولة بمفهومها الحديث في الغرب، والمتمثلة بخروج الرجل الأبيض من أوروبا مستعمراً بقية قارات العالم، واستغلال ثرواتها ونقلها للقارة الأوروبية لتكون المغذي الأساس لبناء نهضته الداخلية، وبالتالي الخارجية أيضاً. وذلك بدءاً من القرن الخامس عشر. وهو ما عزز استمرارية تطوير مفهوم الدولة، وفق مصالحه، خصوصاً خلال القرن العشرين، ولا سيما بعد خمسينياته. فالدولة القوية المنظمة الحاكمة التي تُدرس في الكتب الأكاديمية والجامعات العالمية ما كانت لتكون لولا النظام الاستعماري الذي كان مغذيها الرئيس. فالخارج المستعمَر كان الدجاجة الذهبية التي تمنحه البيضة الذهبية التي لولاها لما حقق رفاهه وتطوره واستقراره الداخلي. فنحن أمام مرتكزين لا قيام لأحدهما دون الآخر، أي العامل الخارجي من جهة، وحسن استثماره داخلياً من الجهة الأخرى. وهذه إشارات تطبيقية سريعة لتذكير الناسين أو المتناسين في صفوفنا بدور الاستعمار القديم والجديد في قيام الدولة بالمفهوم الغربي وإدامتها وتطورها في الفترة المعاصرة.
- التمويل والتوسع الاقتصادي: فالثورة الصناعية تطلبت أسواقاً خارجية وموارد للمواد الخام الرخيصة. وتوحيد الجهود الاستعمارية، مقارنة بالشركات المتنافسة، سمح له بأفضل تنظيم لنهب ثروات المستعمرات لبناء المجتمعات والدول الغربية.
- تجديد القوى الاستعمارية: بصعود “الأنكلوساكسونية” مقابل قوى القارة القديمة. والحاجة للسيطرة على البحار لضمان الموارد، مما دفع لاكتشاف ليس فقط طرق تجارية جديدة، بل اكتسب أيضاً تجارب وخبرات وعلوم، لم تكن تعرفها أوروبا سابقاً. وتعرّف إلى مصادر ثروات كانت بعيدة عنه سابقاً. فكان لا بد من تنظيم العملية من خلال المؤتمرات الاستعمارية كمؤتمر برلين (1884) لتقاسم أفريقيا. ودور شركة الهند الشرقية في استحلاب البلدان الآسيوية. وغيرها من مؤسسات استعمارية واجتماعات ومؤتمرات، كاتفاق سايكس/بيكو ومؤتمر بازل (1897) لتأسيس الكيان الصهيوني، وذلك كله للسيطرة على غرب آسيا ولتقاسم مناطق النفوذ بين الدول الغربية. وقس على ذلك.
- استكمال الأدلجة لمجمل منظومة هيمنة الدول الغربية على النظام العالمي: بترسيخ مفهوم المبادئ “التنويرية” و”العرقية العلمانية”، وغلبة التجربة والسرعة والآلة والعقل كأدوات عمل، وكلها وفق المعايير والمصالح الغربية لتدمير أدوات عمل بقية الحضارات. وما سُمي بالحملات الحضارية تحت حجة تمدين بقية قارات العالم. كما كتب “ماركس” الاشتراكي، أو الليبرالي “جان ستيوارت ميل” بأهمية دور الحضارة الغربية الرأسمالية لنشر المدنية في الشرق البربري والمتوحش. أو الحملة الحضارية الفرنسية في الجزائر تحت شعار “كاثوليك في فرنسا، علمانيون في الجزائر”. وهو شعار منطلقه حماية التراث الكاثوليكي العميق، وصاحب الأغلبية في فرنسا، رغم مبادئ الفصل بين الدولة والكنيسة، ليستخدم بالمقابل لتدمير الإسلام، وهو دين الأغلبية في الجزائر. و”الداروينية” الاجتماعية للبرهان عن تفوق الجنس الأبيض كمبرر لإخضاع بقية الأجناس. و”الديكارتية” (ديكارت) و”الكانتية” (كانت) المشككة بالقيم والأفكار والتقاليد والحقيقة، لمصلحة نظريات الشك، وتلبية الغرائزية، وتقديس التفردية والذات والأنا. والتي هي التأسيسات المبكرة للنزعات الليبرالية المدمرة، ليس فقط للهويات الأخرى، بل لإخضاع الجماعة والاجتماع لمصلحة الفرد والنخبة. والتي كانت البذرة الأساسية لتطور فكرة الجندرية/ المثلية، وقس على ذلك.
فالمعرفة الغربية حطّمت كل ما عداها، وأصبحت هي الشمولية العالمية التي تتداولها أجيالنا ومدارسنا وجامعاتنا، حتى وإن كانت خاطئة، ومنحرفة، ومضللة، ومسيئة. فإذا سألت اليوم أي إنسان: من الذي اكتشف أمريكا؟ فإنه سيقول لك إنه “كريستوف كولومبوس”، وسنقول له: صحيح. أما الحقيقة فهي أن الشعوب الشمالية، مثل “الفايكنج”، والآسيوية والأفريقية، وصلوا إلى الأمريكيتين عبر القطب الشمالي وسيبيريا وغيرهما قبل “كولومبوس” بمئات بل بآلاف السنين. إذ يُقدر عدد سكان الأمريكيتين لحظة وصول كولومبوس بـ 60-100 مليون نسمة متحدرين من شعوب أخرى، ومنها “الباليو” الهندية. ورغم أن هذه باتت حقيقة علمية وتاريخية دامغة، لكننا ما زلنا نردد المعارف الغربية المضللة، ونبني عليها. وهذا مثال بسيط لمئات وآلاف الأمثلة في شتى المعارف والشؤون والمفاهيم المتداولة اليوم بيننا وفي العالم. وقد آن الأوان أن نتوقف عن تجرع هذه السموم الفكرية والمفاهيمية، وأن ندقق في المعارف التي نتداولها، ومدى جديتها وصدقيتها.
- الهيمنة العالمية بكل السبل العسكرية والاقتصادية والقيمية والسياسية والاجتماعية بدءاً من صلح “ويستفاليا” (1648) الذي أنهى حرب الثلاثين عاماً في أوروبا، والذي يُعدّ التأسيس الفعلي لنظام الهيمنة الدولي الحديث القائم على سيادة الدول، والمساواة بينها، وفصل الدين عن السياسة، وغيرها من مفاهيم مخصصة للدول الأوروبية ولا تنطبق على “برابرة” الشرق وبقية القارات. ثم “عصبة الأمم” (1919) كمنظمة للدول “المتحضرة”، والتي تكرس هيمنة المنتصرين. أو الأمم المتحدة (1945)، والتي تعكس توازن القوى الجديد للقوى المنتصرة في الحرب، وإبقاء الكلمة الأخيرة بيد القوى الاستعمارية السابقة.
- نقطة جوهرية وأساسية لا يتم الالتفات إليها غالباً، مما يُفقد أي بحث جديته الموضوعية والواقعية. فالعالم، خصوصاً بعد القرن العشرين، لم يعد دولاً متجاورة أو معزولة بعضها عن بعض. بل بات بناءً أو هيكلاً أو نظاماً ومنظومة واحدة متكاملة تعمل لخدمة مركز واحد على حساب بقية الأطراف. بناءٌ له – في نهاية المطاف والتحليل – قيادة واحدة، وقواعد عمل واحدة بمعنى التخادم والتناغم والتماهي، وليس بمعنى التطابق والتماثل والمساواة. يعمل من أجل أهداف واحدة. والمشكلة التي ينساها أو يتناساها كثيرون أن دول هذا العالم لم تعد دولاً ندية مستقلة. يستطيع أيٌّ منها أن يتخذ من القرارات والسياسات ما يناسب مصالحه. بل كل شيء ارتبط بمدى تناغم أو تعارض تلك القرارات والسياسات مع ما سُمي بالنظام الدولي. والذي هو في حقيقته تحكم وهيمنة الأقلية من الدول على بقية دول العالم.
فهناك منظومتان متناقضتان:
أ. منظومة الدول المهيمنة: والتي تشكل قيادة ما يُعرف اليوم بـ”المجتمع الدولي” أو “النظام الدولي”، أو “الرأي العام الدولي”، أو “الشرعية الدولية”، إلخ. التي هدفها خدمة وحماية مصالح الدول المهيمنة. والذي تتناوب على قيادته دول أو دولة من بينها.
مع الإشارة إلى خصوصية يتميز بها العالم، وتتميز بها منطقتنا بصورة خاصة، ألا وهي اندماج الحركة الصهيونية بالمشروع الاستعماري المهيمن من جهة، وزرع الكيان الصهيوني في قلب منطقة غرب آسيا، على حساب مصالح دولنا ومنطقتنا وشعوبنا، ومن بينها الدولة العراقية.
- منظومة الدول المهيمن عليها: والتي مهما بلغت المصالح الوطنية التي تخدمها، لكنها في نهاية التحليل ممسوكة ومحاصرة ومرغمة على خدمة متطلبات المنظومة المهيمنة. وهو ما يؤطر متطلبات أمنها، ونماذج تطورها، ونظمها الداخلية، والتدخل في قيمها وسياساتها ليس الخارجية فقط، بل إلى حد كبير الداخلية أيضاً.
فالدولة وصعودها في الغرب حسب هذه الرؤية، قد بنت نماذج معيارية للدولة الناجحة والمقبول تصنيفها في منظومتهم، لتكون كل التشكيلات الأخرى، إما نماذج خادمة. لها وظيفة محددة في النظام العالمي الشمولي الذي بنته بقيادتها ولمصلحتها، أو نماذج فاشلة، أو نماذج مارقة أو معادية عندما تخرج جزئياً أو كلياً عن سيطرتها. والعراق قبل 2003، وبعده وإلى يومنا هذا يقع في هذا الإطار، وإن اختلف النظام ودوره في إدارة الدولة داخلياً وخارجياً.
ثانياً: الدولة العراقية
بعد هذه الإشارات السريعة لموضعة العراق ودولته في إطار وضعه الوطني والإقليمي والعالمي، يمكننا الكلام بموضوعية أكثر عن تقييم الدولة العراقية بعد 2003: فما حدث في 2003، هو أمر مهم جرى في سياق التدافعات في عملية صعود وهبوط قوى النظام الدولي والمقاومات التي يتعرض لها من قِبل مستعمراته القديمة في قارات العالم المختلفة. إذ بقي العراق منطقةً استراتيجيةً وممراً استراتيجياً، ودولةً ريعيةً في المنظومة الدولية، تخدم المصالح العليا للنظام العالمي، مقابل العوائد النفطية التي تتحكم ببواباتها وآلياتها قوى ومنظمات ذلك النظام نفسه. ففي خمسينيات القرن الماضي كان العراق جزءاً من “حلف بغداد” الذي مثّل انهياره تراجعاً في دور المملكة المتحدة كقائدة للنظام العالمي آنذاك، وصعود الدور الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية. ومع ثمانينيات القرن ذاته وانتصار الثورة الإسلامية في ايران عام 1979م التي رآها الغرب تهديداً لمصالحه، استُخدم العراق كبوابة أمامية لمهاجمة إيران، التي حررت نفسها للتو من النظام الشاهنشاهي، والذي كان يُعدّ من أهم الركائز الأمريكية في منطقتنا، بما فيها المصالح الصهيونية.
إذ بدأت قبلها عملية السيطرة التدريجية على المنطقة من قبل الولايات المتحدة: الانقلاب على مصدق المنتخب ديمقراطياً 1953، ومبدأ 50-50% لتوزيع موارد النفط مع السعودية، والوقوف ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لإنهاء مرحلة القطبية القيادية للهيمنة البريطانية/الفرنسية. ومع عملية السيطرة الأمريكية وازدياد التأثيرات الصهيونية على الإدارة الأمريكية، ازداد التوسع الإسرائيلي: حرب 1967، وحرب 1973، واجتياح لبنان 1982. لتنتقل السيطرة الأمريكية مع بداية التسعينيات وعملية “عاصفة الصحراء” إلى وجود عسكري واسع. ثم لاحقاً إلى احتلال معلن وصريح كما جرى في أفغانستان بعد 11 أيلول 2001، وفي العراق عام 2003.
وخلال هذه التطورات تراجع نفوذ بقية دول المعسكر الغربي، وأصبحت ملحقة بالسياسات الأمريكية والصهيونية بشكل عام، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وأُنشئت القواعد العسكرية في معظم دول المنطقة، ومنها العراق، والتي وإن أقيمت بحجة حماية أمن هذه الدول أو محاربة الإرهاب، لكنها في الحقيقة كانت جزءاً من شبكة الأمن الأمريكية/الإسرائيلية الإقليمية والعالمية، وموجهة أساساً ايران، والقوى المتمردة على إرادة نظام الهيمنة العالمي والكيان الصهيوني.
ثالثاً: خيارات الدولة بعد تغيير 2003
إن استذكار هذه التطورات أمر مهم لموضعة تجربة 2003 في العراق في مكانها الصحيح. فالكلام عن إبعاد العراق من دائرة الصراع هو إما مغالطة تخفي الدافع الحقيقي، وكلام حق يراد به باطل، لمحاربة إيران إعلامياً وسياسياً، لمصلحة القوى المهيمنة، أو قفز مراهق على الحقائق التاريخية والموضوعية.
فالعراق كان وما يزال ساحة رئيسية وهدفاً أساسياً للصراع. وإنهاء الصراع فيه – لو كان جدياً وممكناً – سيكون انتصاراً تاريخياً له، إذ سيعني حقيقة واحدة، وهي انتهاء الوجود الأمريكي والإسرائيلي والغربي فيه، الذي هو الوجود الأساس المهيمن، وسبب تبعيته وانسداداته وأزماته المزمنة والبنيوية. وأن كل ما عداه هو ردود فعل له. فهذا الوجود هو الذي سبق الثورة الإسلامية في ايران، ورافقها من خلال تشجيع النظام السابق لمحاربتها، والذي كان الهدف الرئيس لاحتلال العراق، بعد فشل النظام السابق في القيام بذلك، رغم كل الدعم الذي قُدم له. فالاحتلال في بداية وجوده صرّح أنه ينوي إقامة طويلة الأمد في العراق. وأن أولى شعارات “الإدارة المدنية المؤقتة” للسفير “بريمر” كانت إعادة بناء الدولة والمجتمع العراقيين Society Building, State Building). وهو ما تصدّى له المرجع السيد السيستاني (دامت بركاته) – ومعه العديد من القوى السياسية والمقاومة – في رفض الاحتلال، ورفض مشاريع المجمعات الانتخابية، والدعوة لكتابة دستور من قبل جمعية وطنية منتخبة مباشرة من الشعب، واستفتاء الشعب العراقي عليه.
أُنجزت هذه المهمة بنجاح كبير، وقام نظام جديد له ما له من حريات وتداول للسلطة وتطورات معيشية واضحة، وعليه ما عليه من انسدادات وأزمات ومظاهر فساد. كما أُنجزت عملية إخراج العراق من كونه محتلاً، والذي كان قراراً أممياً. واستردّ العراق سيادته ولو شكلياً. بل تقدمت الجهود لإنهاء وضع العراق تحت أحكام الفصل السابع. كما أُنجزت عملية انسحاب القوات المتعددة الجنسيات في 2011.
كنا أقوياء في المعارضة، ضعفاء في البناء. فالقيادات الجديدة انشغلت أساساً في احتلال المواقع في الدولة، ولم تعطِ لعملية إعادة بناء المجتمع والدولة الاهتمام اللازم. ففقدنا منذ البداية المقومات الضرورية لإنجاز هذه المهمة. ونقصد بذلك غياب النخبة الواعية مفاهيمياً وعملياً لمقومات مشروع بناء المجتمع والدولة في الظروف الموضوعية والتاريخية الحقيقية العالمية والإقليمية والوطنية، وليس المفترضة أو المتخيلة. وكذلك القوى اللازمة سياسياً وشعبياً لدعم هذه النخبة لإنجاح هذا التحدي التاريخي التأسيسي. مما فرض سياقات وتدافعات يمكن تلخيصها بالآتي:
1.عودة الوجود الأجنبي، وتأسيس القواعد العسكرية بعد استدعاء القوات الأجنبية تحت مظلة التحالف الدولي عام 2014 لمحاربة الإرهاب بعد احتلال داعش لمدينة الموصل، وتقدمها في العديد من محافظات العراق. علماً أننا لم نسعَ خلال الفترة التي سبقت ذلك إلى تحرير اقتصادنا وسياستنا الخارجية من الكثير من عناصر التبعية التي تكبّل نظامنا.
2.بسبب الفراغ الفكري والمفاهيمي، صرنا نرفع شعارات لبناء الدولة مستعارة من التجربة الغربية، دون أن تكون لنا مقومات تطبيقها. فصارت تلك الشعارات والقوى التي ترفعها واجهات تخفي خلفها شتى أشكال السلطات المتنفذة لتقاسم السلطة، على حساب سلسلة من الانحرافات في شتى الشؤون الإدارية والاقتصادية والأمنية وفي العلاقات الخارجية.
3.حالت النزعة الوطنية والاستقلالية لدى المرجعية الدينية العليا، وفي صفوف الشعب والكثير من القوى السياسية والنخب، دون بناء دولة تابعة ومتخادمة بالكامل مع سياسات نظام الهيمنة العالمي، كما هو حال العديد من دول المنطقة، التي اشترت حاضراً مؤقتاً تقوم واجهته على أمن هش، وازدهار مؤقت وفوقي – مثالها الكثير من دول الخليج – على حساب مستقبل متقدم ومستدام، حقيقته الاعتماد أساساً على الذات وإمكانيات البلاد وفضاءاتها وامتداداتها الإقليمية. ويقابل هذه النزعة وجود تيارات داخلية قوية في مكونات البلاد كافة، بما في ذلك بين شرائح الشعب المختلفة، انساقت –صراحة أو ضمناً– للاستسلام للمشاريع الاستعمارية والصهيونية.
4.أدّى غياب بناء الدولة والمجتمع إلى قيام سلطات عديدة، بمضامين مختلفة ولمكونات متنوعة، وساحات متعددة، يتداخل فيها السلبي والإيجابي. وانتقل الحراك من الدولة، الحكومات والسلطات وقواها، إلى المجتمع بمختلف قواه، ومن العطل المؤسساتي والمفاهيمي “للنظام” وتصادم قواه، إلى نوع من “اللانظام” وقواه وفعالياته المختلفة الإيجابية والسلبية. فمع استشراء الفساد في الكثير من المقاطع، والكثير من الفوضى والتقدم خطوة والتراجع خطوة، والكثير من الإحباطات، رأينا أيضاً الكثير من المنجزات. فالعراق بشكل عام يتقدم بالزخم العام الذي ولدته عملية تحرر إرادة شعبه بعد 2003، وبالزخم الذي يمتلكه العراق من موقع وثروات، والذي يدفع الكثير من القوى إلى الأمام، سواء أكانت واعية لدورها أم لا.
الخيارات الثلاثة
إن تقييم تجربة الدولة بعد 2003 وضعت العراق بين ثلاث خيارات:
أولاً: الخيار الأسوأ: وهو تبني السياسات الاستعمارية والصهيونية التي يُراد فرضها على البلاد، كالإيغال في استغلال البلاد اقتصادياً، وفرض نماذج التنمية التي تزيد من ارتباط البلاد بالعجلة الاستعمارية، وتنفيذ مشاريع التطبيع مع العدو الإسرائيلي، أو إبقاء القوات الأجنبية، أو الخضوع لسياسات الخزانة الأمريكية والضغوطات الإسرائيلية والغربية، أو رفع شعارات صحيحة لكنها مضللة من حيث التوقيت والأهداف يريدها الأمريكي والإسرائيلي، أو لإثارة فتنة داخلية، أو العداء لجيراننا خصوصاً ايران، أو محاصرة الحشد الشعبي وقوى المقاومة المدافعة عن الدولة ونظامها السياسي. فحصر السلاح حقٌّ للدولة عندما تمتلك كامل سيادتها وقدراتها، خصوصاً القدرة على حماية الوطن والمواطنين. ولا يصح فتح هذا الباب، أو إثارة هذه الفتنة، قبل أن تُحل قضية حصر السلاح مع وجود القوات الأمريكية والناتو، أو منع الطيران الأمريكي والإسرائيلي من استخدام أجواء العراق لمهاجمة إيران أو اغتيال مواطنين عراقيين أو قصف مقرات الحشد الشعبي، أو قبل حل قضية الوجود العسكري التركي، أو قبل حل وجود الـ PKK وبقية الفصائل الأجنبية الإيرانية والسورية الموجودة في البلاد. بل وقبل حل مسألة السلاح لدى مجاميع عراقية كردية أو شيعية أو تركمانية أو عربية سنية أو إيزيدية ومن مكونات أخرى، تعمل خارج خطط وأوامر الدولة والحكومة الاتحادية.
علماً أن حمل السلاح وتكوين ميليشيات هو حق ضمنه الدستور الأمريكي لمواطنيه، الذي ينص على أن “وجود ميليشيا منظمة تنظيماً جيداً ضروري لأمن الدولة الحرة. ولذلك لا يجوز انتهاك حق الشعب في الاحتفاظ بالأسلحة وحملها”. فإثارته عندنا وشرعنته عندهم، واستهداف الشعار لجماعات محددة بذاتها تؤيد الدولة، لكنها تخالف السياسات الاستعمارية والصهيونية، يكشف عن الجانب السلبي لتفكير البعض في صفوفنا، وازدواجية المعايير والنفاق السياسي للقوى الاستعمارية والصهيونية.
ثانياً: الخيار الأفضل: هو كسر قيد التبعية، والتحرر من قيودها، والتصدي للكيان الصهيوني، للانطلاق نحو استقلال ناجز كامل، على الصعد الأمنية والاقتصادية والسياسية والقيمية، الوطنية والإقليمية والعالمية. لكن هذا الخيار فيه تضحيات عظيمة، ويتطلب ليس فقط قيادة وصيغة وطنية تتمتع بالحد المطلوب من الوحدة الوطنية والوضوح في الفلسفة أو المرجعية المفاهيمية للسير بنجاح في هذا الطريق، بل يتطلب أيضاً تأييداً اجتماعياً وشعبياً وازناً يستطيع أن يصمد أمام الضغوطات التي ستتعرض لها البلاد.
ثالثاً: الخيار المتذبذب: إن عدم توفر الشروط في الخيار الأفضل لا يعني عدم العمل من أجله. بل إن المسؤولية كلها تقتضي العمل لتحقيق ذلك واستغلال كل الظروف الإيجابية وطنياً وإقليمياً ودولياً لتحقيق ذلك. كما أن عدم توفر الشروط كاملة لا يعني غيابها بالمطلق. فما لا يُدرك كلُّه لا يُترك جلُّه. وهذا كله لا يعني عدم وجود برامج إصلاحية لخدمة المواطنين، ولبناء المؤسسات، وتبني السياسات التي تقلل من أضرار التبعية، وترفع من مستوى الاستقلالية، والوقوف مع القضايا العادلة، وعدم تسليم البلاد للإرادة الأجنبية مطلقاً، والخضوع للشروط الصهيونية والاستعمارية كما فعلت بعض الدول.
خلاصة: إمكانية الانتقال من التذبذب الى الخيار الأفضل
- كان بالإمكان إحداث تغيير أساسي في قيادة البلاد، وتوحيد اتجاهاتها بعد عملية التغيير، وكانت مناقشات صياغة الدستور فرصة ذهبية لذلك، فقد كان هناك زخم وطني كبير، وتحالفات جيدة وكبيرة بين الكثير من القوى، خصوصاً في إطار الأغلبية السكانية ومع الحالة الكردية. لكن غياب الساحة الغربية مثّل ثلمة كبيرة. كما أربك ذلك:
- انشغال الأغلبية باحتلال المواقع وترك المهام الأساسية.
- غرق الحالة الكردية في النظرية القومية وعدم السعي الجدي لتكييفها مع محيطها.
- تصدي المناطق الغربية للوضع الجديد لشعورهم بالغبن، بسبب فقدان قيادة البلاد، وبالتالي شكلت مناطق مهمة من جماعاتهم ومساحاتهم حاضنة للإرهاب، ومطالبة المكونات والقوى الأخرى بمطالب عادلة وغير عادلة، مما أربك السياقات العامة، إضافةً إلى الأعمال الإرهابية الواسعة التي أربكت البلاد والعباد. فأضعف ذلك العقد المجتمعي، وأفقد التوجه نحو بناء الدولة والمجتمع الزخم اللازم. وغرقت البلاد في شتى أشكال الأزمات والتدخلات.
- ولأن المجتمعات – كالطبيعة – لا يحركها عامل الوعي المباشر فقط، بل تحركها أيضاً عوامل طويلة الأمد، وعوامل خارجية لها وعيها وسياقاتها الأخرى خارج وعينا المباشر، لذلك نرى في حالتنا الآن، في عام 2026، أن ديناميكيات الحل ستحركها التغييرات الإقليمية والعالمية الجارية أساساً، وليس ديناميكيات القوى الداخلية. وهذا أمرٌ شهدنا عبر التاريخ نماذج عديدة له. فدول أوروبا مثلاً لم تنهض كلها دفعة واحدة، بل قاد التغيير عدد قليل من الدول، لتسحب لاحقاً بقية الدول معها. كذلك بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن الكثير من دول أوروبا الشرقية لم تبنِ مجتمعاتها ودولها بجهد داخلي، بل بديناميكيات فرضتها مستلزمات وامتيازات الانتماء للاتحاد الأوروبي. كذلك، بعد الصدمة النفطية في سبعينيات القرن الماضي، لم تطوّر الثروات النفطية الكبيرة الدولَ النفطية فقط، بل ساهمت بتمويل وتطوير وإحداث تغييرات في الدول غير النفطية أيضاً.
فالعراق ينتمي إلى آسيا والشرق، وإلى المحيطين العربي والإسلامي. ولهذا، فإن ديناميكيات منظورة وغير منظورة ستظهر لاحقاً وبالتدريج مع التطورات الإقليمية والعالمية الجارية:
- ففي الانتماء الأول إلى آسيا والشرق، نشهد أن أكثر من 80% من صادرات العراق واستيراداته، التي كانت تأتي من الغرب، بدأت تأتي من الشرق المتصاعد في نهضته الاقتصادية والعلمية والتنظيمية، والذي يتقدم في مجالات عديدة على الغرب. وهذا يترافق مع تطور العلاقات السياسية والقيمية والبيئية وحتى الأمنية، مع بيئة الدول والمجتمعات الشرقية. وكما ارتبط العراق اقتصادياً وسياسياً وقيمياً بالتطورات الغربية خصوصاً منذ بداية القرن العشرين، سنشهد يقيناً تطورات تربطه أكثر بالشرق في علاقات تغيب عن مضامينها سياسات الهيمنة والاستغلال والفرض، مما سيسمح بشكل متزايد بتحقيق ما نراه الخيار الأفضل لبلدنا وشعبنا.
- وفي الانتماء الثاني، العربي والإسلامي، نشهد جرأة ونهضة غير مسبوقة في فلسطين ولبنان وايران واليمن والكثير من شعوب المنطقة في اتجاه التصدي للعدو الإسرائيلي، ولتعزيز الاستقلال الوطني لبلدان المنطقة. وإن الحروب الأخيرة التي تجري بمستويات مختلفة في دول المنطقة كافة هي دليل على تصاعد روح المقاومة والتغيير الناجز، والرغبة في تأسيس منظومات تختلف نوعاً عن المنظومات التابعة القديمة. وإن صمود محور المقاومة وفشل العدوان على غزة ولبنان وإيران في تحقيق أهدافه المعلنة هو نقطة فاصلة تاريخية ستغير حتماً جغرافيات المنطقة ومضامين أنظمتها. وهو أمر سيفرض نفسه كأمر واقع، كما فرضت المضامين والجغرافيات الاستعمارية نفسها كأمر واقع علينا.
- ولعل العامل الحاسم الذي يتغافل عنه كثيرون –وهو عامل بنياني ووجودي كبير– يتمثل في شيخوخة نظام الهيمنة، وتفكك الكثير من مرتكزاته، وعناصر قوته التاريخية، بعد فقدانه مستعمراته والمصادر الأساسية لبحبوحته. وتراجع الأطروحة الصهيونية وتحول المعارك إلى داخل الأراضي التي تحتلها. وتحول الكيان الصهيوني إلى دولة منبوذة، تلاحق الإدانات الدولية مسؤوليها جنائياً بتهم الإبادة الجماعية والفصل العنصري والجرائم ضد الإنسانية. فعندما تصبح الحروب هي الوسيلة الوحيدة لإبقاء النظام المهيمن السائد، فمعنى ذلك أن النظام يتفكك وينهار. فمفهوم النظام System والقوة المستدامة يقومان على الاستقرار والسلمية واللاحرب والإنتاجية المتصاعدة والمتفوقة، ليعطي مردوداته وفوائضه التي تسمح له بتحقيق دورات النمو والتقدم الموسعة، والتي تسمح له بتحقيق الاستقرار الداخلي في مجتمعه ومركزه، وبامتلاك مصادر القوة والهيمنة الخارجية أيضاً. وإن التوسع Imperial overstretch واستمرار الحرب والفوضى وعدم الاستقرار والتوحش واستمرار القتل الأعمى، يقود عادة إلى تآكل موجودات المركز وقيمه ومرتكزاته، مما يشكل أكبر عامل استنزاف للقوة التي تمكّنه من الهيمنة، وأكبر عملية تفكيك لمقومات ومفهوم “النظام”، ليقود في النهاية إلى تقدم الآخرين عليه، وانهياره. هكذا انهارت الإمبراطوريات الآشورية، والرومانية الشرقية والغربية، والساسانية، والمغولية، والفرنسية النابليونية، والألمانية/النمساوية/المجرية، والعثمانية، وألمانيا في عهد هتلر، والبريطانية، والسوفياتية عندما توسعت خارج حدودها، وعندما غرقت في حروبها ونفقاتها وديونها، فعجزت عن تلبية مستلزمات هيمنتها وقوتها.
وفي موضوعة هيمنة الغرب الرأسمالي، كانت البدائل تأتي من نفس طبيعة النظام. أما الآن فإن البدائل تأتي من مستعمرات النظام السابقة. لهذا سيبقى الصراع مفتوحاً على مصراعيه لغير مصلحة النظام السائد. فحسب كل المؤشرات التي تبينها المصادر الغربية ذاتها، فإن الاستعمار والعنصرية والصهيونية يسرّعون، بغلوهم وطيشهم وحدّة أزماتهم داخل مراكزهم، عملية التفكك داخل منظومتهم، مما يسمح بإعادة البناء والتركيب في داخلهم وخارجهم، والتي تجري تراكمياً وبالتدريج، وصولاً إلى لحظة التحلل الهادئ أو الانفجار العنيف. مما سيعزز إمكانية تخلصنا من الكثير من السرطانات التي نعاني منها، وأن تتوفر الشروط الأساسية لإعادة بناء مجتمعاتنا ودولنا على الأسس الصحيحة الملبية لمطامح وظروف شعوبنا، شريطة أن نهيئ أنفسنا لمرحلة معقدة وجدية.
تنويه: الآراء الواردة في المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تمثّل بالضرورة رأي المجموعة العراقية للشؤون الخارجية.





