نظرية «3×3 لضمان الواحد»: رؤيتي التي اعتمدتها في إدارة الدولة العراقية (2014–2018).
مدخل: الدولة في مواجهة التهديد الوجودي
لم أتسلّم رئاسة مجلس الوزراء عام 2014 في ظروف انتقال سياسي اعتيادي، ولم تكن أمام حكومتي مشكلات دولة مستقرة يمكن التعامل معها بالأدوات الحكومية التقليدية. لقد تسلّمت دولةً تواجه تهديداً وجودياً مركباً، تتداخل فيه الحرب بالإفلاس، والانقسام السياسي بالتفكك الاجتماعي، والاختراق الخارجي بضعف المؤسسات.
كان تنظيم داعش الإرهابي يحتل ما يقارب ثلث مساحة العراق، وقد سقطت الموصل ومدن ومحافظات ومنافذ حدودية واسعة خارج سيطرة الدولة، فيما اقترب الخطر من بغداد وأربيل وكربلاء وسامراء. وتسببت الحرب منذ مطلع عام 2014 في نزوح ما يقارب ستة ملايين عراقي، أي نحو 15% من سكان البلاد، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في تاريخ العراق الحديث.
وفي الوقت نفسه، انخفض سعر برميل النفط إلى ما دون 30 دولاراً، بعد أن كان سعر البرميل، لسنوات مضت، أكثر من 100 دولار، في اقتصاد تعتمد موازنته بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، بينما كانت الدولة مطالبة بتمويل حرب واسعة، ودفع رواتب الملايين، وإغاثة النازحين، وإدامة الخدمات والمؤسسات العامة.
وقد تسلّمت الحكومة وضعاً مالياً حرجاً بلغ فيه العجز في السيولة المتاحة قرابة ثلاثة مليارات دولار، مع التزامات متراكمة تفوق قدرة الخزينة على الوفاء بها. ولم يكن انهيار المالية العامة خطراً اقتصادياً فحسب؛ بل كان يعني تعذر دفع الرواتب، وتوقف الدولة عن تقديم الخدمات، وانهيار الجبهة الداخلية في ذروة الحرب.
كما كان العراق ساحةً مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية، وأصبح خطر تقسيمه أو تحويله إلى مناطق نفوذ متصارعة احتمالاً واقعياً، لا مجرد تحذير سياسي.
لهذا، لم يكن السؤال الذي واجهته: كيف نحكم العراق؟ بل كان السؤال الأسبق والأخطر:
كيف نحفظ وجود العراق أولاً، ثم نعيد بناء قدرته ووحدته ومكانته؟
من هنا تبلورت رؤيتي في إدارة الحكم بما أسميته:
نظرية «3×3 لضمان الواحد».
تقوم النظرية على أن بقاء العراق الواحد كان يتطلب كسب ستة تحديات وجودية متزامنة:
ثلاثة تحديات داخلية: التحرير والوحدة، والصمود الاقتصادي، والإصلاح الممكن.
ثلاثة تحديات خارجية: التلاقي، والانفتاح، والتمركز.
أما حاصل هذه المعادلة فهو:
العراق الواحد: أرضاً وشعباً ودولةً وسيادةً وقراراً.
لم تكن هذه التحديات مستقلة بعضها عن بعض؛ فلا تحرير بلا اقتصاد يموله، ولا اقتصاد يصمد من دون استقرار سياسي، ولا إصلاح ممكن في دولة تتفكك، ولا سياسة خارجية مستقلة من دون وحدة داخلية، ولا وحدة قابلة للحياة إذا أصبح العراق تابعاً لمحور إقليمي أو دولي.
وكان أدنى خلل في إدارة هذه المعادلة يعني خسارة معركة الدولة، حتى لو تحقق نصر جزئي في إحدى ساحاتها.
أولاً: التحديات الوجودية الداخلية
- تحدي التحرير: تحرير الأرض والإنسان وحماية الوحدة الاجتماعية
لم يكن احتلال داعش للأرض العراقية احتلالاً عسكرياً مغامراً، بل كان مشروعاً منظماً ومدعوماً يستهدف هدم العراق كدولة وتفكيك المجتمع وتأسيس كيان إرهابي على أنقاضه، أو تحويله إلى دويلات ومحميات جيوسياسية.
لذلك لم تُبنَ استراتيجية التحرير على استعادة الأرض وحدها، وإنما قامت على ثلاثة أهداف مترابطة:
تحرير الأرض وإعادة السيادة الوطنية للدولة.
تحرير الإنسان من الإرهاب والخوف والتهجير.
منع حرب التحرير من التحول إلى حرب أهلية أو انتقام طائفي.
كان التحدي الأخطر هو إعادة بناء القوات المسلحة بعد انهيارات عام 2014، وتوحيد الجهد العسكري والأمني بين الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي والبيشمركة والقوات المحلية، ضمن هدف وطني واحد، مع الاستفادة من دعم التحالف الدولي من دون التنازل عن قيادة العراق للمعركة.
وبحلول تموز 2017، كان التحالف الدولي يضم 73 دولة ومنظمة، وشارك 26 عضواً منه بأكثر من تسعة آلاف عسكري لأغراض التدريب والإسناد، فيما تلقى أكثر من 106 آلاف عنصر من مختلف القوات الأمنية العراقية تدريبات ضمن جهود التحالف.
لكن أساس الانتصار وجوهره بقي عراقياً: قراراً وتضحيةً وقيادةً وقواتٍ على الأرض.
اعتمدت استراتيجية التحرير على مبادئ أساسية:
وحدة القيادة والهدف مع تعدد التشكيلات المشاركة.
حماية المدنيين والمقاتلين وتقليل الخسائر قدر الإمكان.
استعادة مؤسسات الدولة فور تحرير المدن.
إعادة الخدمات وتهيئة عودة النازحين.
منع الانتقام والتغيير الديمغرافي.
الفصل بين الإرهاب والمكونات الاجتماعية التي احتل داعش مناطقها.
التعامل مع التحرير بوصفه استعادةً للمواطن، لا استعادةً للجغرافيا فقط.
وفي 10 كانون الأول 2017، أعلن العراق رسمياً تحرير كامل أراضيه من سيطرة داعش. وبنهاية ذلك العام، كان أكثر من 2.8 مليون نازح قد عادوا إلى مناطقهم.وبنهاية 2018، بلغ عدد مشروعات الاستقرار في المحافظات المحررة 3,102 مشروعاً، أُنجز منها 1,672 مشروعاً، وانتفع منها أكثر من خمسة ملايين مواطن، وفق إحصاءات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
لقد كان النصر الحقيقي أوسع من هزيمة تنظيم إرهابي؛ فقد تمكن العراق من تحرير أرضه مع الحفاظ على الإطار الوطني للدولة، ومنع الحرب على داعش من التحول إلى حرب بين الشيعة والسنة، أو بين العرب والكرد، أو إلى مواجهة إقليمية بالوكالة.
- تحدي الصمود الاقتصادي والمالي: تمويل الدولة والحرب معاً
واجه العراق بين عامي 2014 و2018 ما يمكن وصفه بـ«الحرب المزدوجة»: حرباً عسكرية ضد داعش، وحرباً اقتصادية ضد الإفلاس.
تزامن توسع الإرهاب مع الانخفاض الحاد في أسعار النفط، مع فقدان النفط المصدر من الشمال بسبب احتلال داعش له، فتراجعت الإيرادات في الوقت الذي تضاعفت فيه نفقات الدفاع والأمن والإغاثة وإعمار المناطق المحررة. وكان المطلوب تمويل الحرب، ودفع الرواتب، وحماية الفئات الفقيرة، وإدامة مؤسسات الدولة، ومنع انهيار العملة والأسواق.
قامت سياستنا الاقتصادية على ثلاثة مستويات:
أ. إدارة الندرة:
اعتمدنا ضغط النفقات غير الضرورية، وإعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد نحو:
تمويل المجهود الحربي.
دفع الرواتب والمعاشات.
حماية شبكة الرعاية الاجتماعية.
توفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
إغاثة النازحين وإعادة الاستقرار.
المحافظة على استقرار الدينار والنظام المصرفي.
ب. تعبئة الموارد والدعم الدولي:
انفتح العراق على المؤسسات المالية الدولية للحصول على التمويل والدعم الفني بشروط تحفظ استقرار الدولة. وفي تموز 2016، أقر صندوق النقد الدولي اتفاق الاستعداد الائتماني للعراق بقيمة 5.34 مليارات دولار، لمساعدته على مواجهة انخفاض أسعار النفط وكلفة الحرب وتعزيز إدارة المالية العامة.
كما ارتفعت التزامات مجموعة البنك الدولي تجاه العراق من نحو 600 مليون دولار عام 2014 إلى أكثر من 4.7 مليارات دولار مطلع 2018، لتمويل الاستقرار والخدمات والطرق والجسور والكهرباء والمياه ودعم الموازنة. وقد ساعدت هذه البرامج على تحسين الخدمات لأكثر من مليون مواطن في سبع مدن محررة، وتأهيل طرق وجسور تخدم أكثر من 2.5 مليون عراقي.
ج. الانتقال من الصمود إلى التعافي:
لم تقتصر السياسة الاقتصادية على منع الانهيار، بل عملت على تهيئة الاقتصاد لما بعد الحرب من خلال:
تحسين الإدارة المالية والرقابة على الإنفاق.
رفع إنتاج النفط وصادراته.
المحافظة على الاحتياطيات الأجنبية.
تسديد جزء من الالتزامات والديون الداخلية.
إطلاق مشروعات إعادة الاستقرار والإعمار.
استعادة ثقة المؤسسات الدولية والدول المانحة.
فتح العراق أمام الاستثمار والشراكات الاقتصادية.
والنتيجة أن العراق انتقل من عجز مالي حاد يهدد بانهياره في ذروة الحرب إلى فائض مالي كبير عام 2018. فقد أكد صندوق النقد الدولي أن الموازنة العامة حققت فائضاً كلياً بلغ نحو 7.9% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل قرابة 17.7 مليار دولار وفق حجم الناتج المقدر لذلك العام، فيما بلغ رصيد الاحتياطيات الأجنبية نحو 65 مليار دولار. كما انخفضت نسبة الدين الحكومي من 64.2% من الناتج عام 2016 إلى 49.3% عام 2018.
أما وفق حسابات السيولة والأرصدة الحكومية القابلة للتصرف، فقد سلّمت الحكومة خزينةً بفائض يقارب 14 مليار دولار.
وهكذا انتقلت الدولة من رصيد نقدي حرج وعجز عن تمويل التزاماتها عام 2014 إلى وضع مالي صاعد وفائض معتبر عام 2018، بعدما موّلت واحدة من أعنف الحروب في تاريخ العراق الحديث.
- تحدي الإصلاح الممكن: تقوية النظام من داخله
كان العراق بحاجة إلى إصلاح عميق في الوقت الذي كانت فيه الدولة تخوض حرب بقاء. لكن الإصلاح في ظروف الانهيار لا يمكن أن يُدار بمنطق القفز في الفراغ، لأن تفكيك المؤسسات دفعةً واحدة كان سيؤدي إلى إسقاط ما بقي من قدرة الدولة.
لذلك اعتمدت مفهوم الإصلاح الممكن والمتراكم، أي تحقيق الحد الأعلى الممكن من الإصلاح من دون تعريض الدولة للانهيار أو تعطيل الحرب.
استند هذا المسار إلى:
تقليص حجم الجهاز التنفيذي وترشيق الحكومة.
خفض الامتيازات والنفقات العليا.
مكافحة ظاهرة الموظفين والجنود الوهميين «الفضائيين».
إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية.
اعتماد أنظمة الدفع والتسجيل الإلكتروني والبيومتري والأتمتة.
تحسين إدارة المال العام.
تقوية الرقابة والنزاهة.
تبسيط الإجراءات الحكومية.
إعادة الاعتبار للكفاءة والتكنوقراط.
وضع أسس إصلاح القطاع المصرفي والاستثماري.
توسيع الحماية الاجتماعية في مواجهة آثار الحرب وإجراءات التقشف.
وفي عام 2015، جرى تقليص عدد الوزارات من 33 إلى 22 وزارة، ضمن محاولة لترشيق الحكومة وتقليل الترهل الإداري.
لكنني لم أتعامل مع الإصلاح بوصفه شعاراً أو عملية تطهير سياسي، بل بوصفه إعادةً تدريجية لبناء قدرة الدولة. ولذلك ينبغي التمييز بين أمرين:
كسب تحدي الإصلاح، بمعنى منع النظام من الانهيار وفتح مسار إصلاحي مؤسسي.
اكتمال الإصلاح، وهو هدف تاريخي لم يكن ممكناً إنجازه خلال أربع سنوات من الحرب والأزمة المالية والمقاومة السياسية.
وبسبب هذه السياسة، دخل العراق لأول مرة ضمن تقييمات التصنيف الائتماني السيادي، وحقق، بسبب الإصلاحات الحقيقية والنتائج المتحققة على الأرض، تقييماً متقدماً مقارنة بالوضع الأمني والمالي والسياسي والاقتصادي الذي كان يعيشه العراق آنذاك، وهو مؤشر مهم على الحالة الصحية للاقتصاد العراقي في ظل الحرب وتراجع مبيعات النفط.
لقد كسبنا معركة الإصلاح الممكن، لكننا لم نزعم أننا أنهينا الفساد أو المحاصصة أو الاختلالات البنيوية. فالإنجاز الحقيقي تمثل في أن مؤسسات الدولة استعادت قدراً من قدرتها، وأن الإدارة انتقلت من حافة الانهيار إلى إمكان التطوير.
ثانياً: التحديات الوجودية الخارجية
4.تحدي التلاقي بدل التعارض
وجد العراق نفسه في قلب صراع إقليمي ودولي تتقاطع فيه مصالح الولايات المتحدة وإيران وتركيا والسعودية ودول الخليج وسائر القوى الدولية.
ولو تحولت هذه القوى إلى جبهات متعارضة داخل العراق، لأصبحت الحرب على داعش حرباً بالوكالة، ولتعرض البلد إلى التقسيم أو الوصاية.
لذلك قامت سياستنا على قاعدة:
نجمع المصالح الخارجية عند مصلحة العراق، ولا نسمح لها بأن تتصارع على أرضه.
لم يكن المقصود بالتلاقي إلغاء خلافات الدول، وإنما منع انتقال تلك الخلافات إلى داخل الدولة العراقية، والاستفادة من المساحات المشتركة بينها لخدمة الأمن والتحرير والاستقرار العراقي والإقليمي.
استفاد العراق من الدعم العسكري والجوي والتدريبي للولايات المتحدة والتحالف الدولي، ومن الدعم المباشر الذي قدمته إيران في مواجهة داعش، ومن التعاون مع تركيا ودول الخليج والدول العربية، من دون الانضمام إلى سياسة المحاور أو تحويل العراق إلى جبهة ضد أي دولة.
لقد نجحت هذه السياسة في بناء أوسع إسناد دولي لمعركة التحرير، مع بقاء القيادة والقرار بيد الدولة العراقية. وأصبح الانتصار على داعش مصلحةً تتقاطع عندها قوى متخاصمة، بدل أن يصبح العراق ميداناً لصراعها.
- تحدي الانفتاح بدل الانغلاق
كان العراق قبل عام 2014 يعاني عزلةً عربية وتوترات إقليمية وصورةً دولية مرتبطة بالحرب والعنف والانقسام.
لذلك اعتمدت حكومة العراق سياسة انفتاح متوازن، أعادت بناء العلاقات مع المحيط العربي والإقليمي والدولي، ليس من خلال المجاملات الدبلوماسية، بل عبر المصالح المتبادلة.
تحرك العراق باتجاه السعودية والكويت والأردن ومصر وتركيا وإيران ودول الخليج، بالتوازي مع تطوير علاقاته بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين واليابان والمؤسسات الدولية.
ومن أهم ثمار هذا الانفتاح:
تأسيس مجلس التنسيق العراقي – السعودي عام 2017.
إعادة تنشيط العلاقات مع دول الخليج والمحيط العربي.
بناء تفاهمات أمنية واقتصادية مع دول الجوار.
توسيع الشراكات مع البنك الدولي وصندوق النقد والدول الصناعية.
استضافة وتنظيم المبادرات الدولية لإعادة إعمار العراق.
انتقال صورة العراق من دولة أزمة إلى دولة فرصة وشراكة.
وفي مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق في شباط 2018، اجتمع عشرات الشركاء الدوليين والمؤسسات والشركات لدعم الانتقال من الحرب إلى الإعمار. ولم تكن أهمية المؤتمر محصورة في التعهدات المالية، بل في أنه أكد عودة الثقة الدولية بالعراق واستعداده لاستقبال الاستثمار والشراكات.
كان الانفتاح، في رؤيتي، جزءاً من الأمن الوطني؛ لأن الدولة المنفتحة والمتشابكة المصالح مع محيطها تكون أقدر على حماية استقلالها من الدولة المعزولة.
- تحدي المركز بدل التبعية
لم يكن الهدف أن ينتقل العراق من محور إلى محور آخر، أو أن يستبدل تبعيةً بتبعية، بل أن يستعيد موقعه بوصفه دولة مركزية فاعلة في المنطقة.
يقوم مفهوم «المركز» على ثلاثة معانٍ:
مركزية الدولة داخل العراق دون السماح بالتقسيم أو دويلات الأمر الواقع.
استقلال القرار الوطني عن المحاور الخارجية.
تحول العراق إلى نقطة تلاقٍ إقليمية، لا ساحة صراع.
اختُبرت هذه السياسة في أكثر من محطة داخلية وخارجية، وأثبتت نجاحها في الحفاظ على الوحدة والدور العراقي.
وحدة النظرية: لماذا كان لا بد من كسب التحديات الستة معاً؟
لا يمكن فهم تجربة 2014–2018 بتجزئة نتائجها:
لو تحررت الأرض وانهار الاقتصاد، لسقطت الدولة.
ولو صمد الاقتصاد وبقي داعش، لفقد العراق سيادته.
ولو تحقق النصر العسكري وانفجرت حرب أهلية، لخسر العراق وحدته الاجتماعية.
ولو أُحبط التقسيم وتحول العراق إلى تابع خارجي، لبقي موحداً في الخريطة وفاقداً لقراره.
ولو انفتح العراق على العالم من دون مركزية الدولة، لتحول الانفتاح إلى اختراق.
ولو طُرح الإصلاح بطريقة تهدم المؤسسات في أثناء الحرب، لأصبح الإصلاح طريقاً إلى انهيار الدولة.
لهذا كانت «3×3» نظريةً في إدارة التوازن الوجودي للدولة، لا مجرد تصنيف للسياسات.
فالداخل يمنح السياسة الخارجية قوتها، والخارج يوفر للداخل شروط الصمود، والتحرير يحمي الاقتصاد، والاقتصاد يمول التحرير، والإصلاح يقوي الدولة، والدولة القوية تحمي الإصلاح.
وحصيلة التجربة: كسب معركة الدولة.
حين تسلّمت المسؤولية عام 2014، كان العراق:
فاقداً لنحو ثلث أراضيه.
مهدداً بالتقسيم والحرب الأهلية.
يواجه نزوح ملايين المواطنين.
يعاني انهياراً في القوات والمؤسسات.
يواجه أزمة مالية حادة.
واقعاً في قلب صراع إقليمي ودولي.
مهدداً بفقدان وحدته وسيادته وقراره.
وحين سلّمت الحكم عام 2018، كان العراق:
محرراً من سيطرة تنظيم داعش على أراضيه.
موحداً جغرافياً ودستورياً.
مستعيداً السيطرة الاتحادية على المناطق والمنافذ الحدودية.
متجاوزاً خطر التقسيم والحرب القومية.
محافظاً على وحدته الاجتماعية رغم قسوة الحرب.
ممتلكاً قوات أمنية أُعيد بناؤها واكتسبت خبرة كبيرة.
منفتحاً على محيطه العربي والإقليمي والدولي.
متحرراً، بدرجة مهمة، من سياسة المحاور.
متجهاً إلى أداء دور المركز ونقطة التلاقي في المنطقة.
خارجاً من العجز المالي إلى فائض كبير.
محتفظاً باحتياطيات أجنبية بلغت نحو 65 مليار دولار.
قد خفّض نسبة الدين العام من ذروتها في سنوات الحرب.
داخلاً مرحلة التعافي وإعادة الإعمار والصعود الاقتصادي.
لم تكن جميع مشكلات العراق قد حُلّت بالكامل، ولم يكن الإصلاح قد اكتمل، ولم تكن آثار الحرب قد انتهت. لكن معيار النجاح في تلك المرحلة لم يكن بلوغ الدولة المثالية؛ بل منع سقوط الدولة، ثم نقلها من الانهيار إلى الاستقرار، ومن الاحتلال إلى التحرير، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن العجز إلى الفائض، ومن ساحة للصراع إلى مركز قادر على الفعل.
وبهذا المعنى، فإننا لم نكسب معركةً عسكريةً فقط، وإنما كسبنا معركة بقاء العراق دولةً واحدة وواعدة.
الخلاصة السياسية
قامت فلسفة «3×3 لضمان الواحد» التي اعتمدتها في إدارة الحكم على أن الدولة لا تُحمى بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، ولا بالإصلاح الإداري وحده، ولا بالعلاقات الخارجية منفردة؛ بل بالتكامل الدقيق والمتوازن بين:
الداخل
الخارج
النتيجة:
التحرير والوحدة الاجتماعية
التلاقي بدل التعارض
عراق آمن
الصمود الاقتصادي والمالي
الانفتاح بدل الانغلاق
عراق قادر
الإصلاح وتقوية المؤسسات
المركز بدل التبعية
عراق مستقل
وحاصل المعادلة هو:
أرض واحدة، وشعب واحد، ودولة واحدة، وسيادة واحدة، وقرار عراقي واحد.
هذه هي خلاصة التجربة: لقد تسلّمتُ عراقاً يقاتل من أجل البقاء، وسلّمتُ عراقاً محرراً وموحداً وقادراً، يستعيد عافيته الاقتصادية، وينفتح على العالم، ويتهيأ للانتقال من ساحة تتصارع عليها القوى إلى مركز تتلاقى عنده المصالح.
لم تكن إدارةً لأزمة عابرة؛ بل كانت إدارةً لمعركة وجود، وكانت نتيجتها بقاء العراق الواحد والواعد.
راهنية الرؤية: من إنقاذ الدولة إلى استكمال بنائها
واليوم، أرى أن نظرية «3×3 لضمان الواحد» لا تقتصر على تفسير سياسة إدارة الدولة بين عامي 2014 و2018، بل تصلح إطاراً استراتيجياً لمعالجة التحديات الراهنة؛ لأن جوهرها يقوم على وضع كل مشكلة في موقعها الصحيح ضمن معادلة الدولة، وربط الحلول الجزئية بهدف كلي هو بناء العراق الواحد، القادر، المستقل، كامل السيادة.
فجميع مشكلات الدولة الداخلية والخارجية يمكن وضعها على سكة هذه الرؤية، وإدارتها بوصفها حلقات مترابطة، لا ملفات منفصلة أو صفقات سياسية مؤقتة.
وفي مقدمة هذه التحديات:
- تنظيم انسحاب قوات التحالف الدولي والانتقال إلى علاقات أمنية ثنائية متوازنة، بما يحفظ أمن العراق، ويمنع نشوء فراغ أمني، ويؤكد اكتمال سيادته.
- إنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، وتسليم السلاح إلى الدولة، ودمج من تنطبق عليهم الشروط ضمن مؤسساتها القانونية والمهنية.
- احتكار الدولة للسلاح، وفقاً للدستور، فلا قوة مسلحة خارج مؤسساتها، ولا شرعية لبندقية لا تخضع لدستورها وقانونها وقيادتها.
- احتكار الدولة للقرار السيادي، فلا قرار حرب أو سلم، ولا علاقة خارجية، ولا التزام أمني، خارج مؤسسات الدولة الدستورية.
- توحيد الشرعية، بحيث تكون الدولة هي المصدر الوحيد للسلطة العامة، ولا تنازعها جماعة أو حزب أو قوة مسلحة في تمثيل العراق أو تقرير مصيره.
- تحرير القرار الوطني من التبعيات والمحاور، وتحويل علاقات العراق الخارجية إلى عناصر قوة تضاف إلى مركزه، لا منافذ للتأثير في قراره.
إن انسحاب التحالف الدولي لا ينبغي أن يُدار بمنطق الشعارات أو المغالبة، بل بمنطق انتقال المسؤولية السيادية.
وكذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس إجراءً أمنياً منفرداً، بل هو شرط تأسيسي لوجود الدولة؛ لأن الدولة التي لا تحتكر وسائل القوة المشروعة لا تستطيع احتكار القرار، والدولة التي لا تحتكر القرار لا تكتمل سيادتها، والسيادة المنقوصة تنتج شرعيةً منقوصة.
ومن هنا تكتمل حلقات المعادلة:
لا سيادة مع تعدد السلاح، ولا شرعية مع تعدد القرار، ولا دولة مع تعدد مراكز القوة.
إن الغاية اليوم ليست استعادة الدولة من داعش، كما كانت بين عامي 2014 و2017، بل استكمال تحريرها من الانقسام الداخلي والتبعية الخارجية وازدواج السلطة. فبعد أن نجح العراق في استعادة أرضه وتحرير إنسانه، أصبح عليه أن يستعيد بصورة كاملة سلطة دولته ووحدة قرارها واحتكارها للشرعية والقوة القانونية.
وهكذا تنتقل نظرية «3×3» من مرحلة إنقاذ الدولة من السقوط إلى مرحلة استكمال بناء الدولة:
من تحرير الأرض والإنسان إلى تحرير القرار.
ومن هزيمة الإرهاب والطائفية والتقسيم إلى إنهاء ازدواج القوة.
ومن استعادة الحدود إلى استكمال السيادة.
ومن توحيد الجغرافيا إلى توحيد الشرعية.
ومن موازنة القوى الخارجية إلى استقلال الإرادة الوطنية.
وبذلك تبقى النتيجة التي تسعى إليها النظرية واحدة:
دولة واحدة، وسلاح واحد، وقرار واحد، وشرعية واحدة؛ لعراق واحد يخدم مواطنيه





